الكافرين؟ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قرأ الكوفيون : الدرك بسكون الراء ، وقرأ غيرهم : بتحريكها. قال أبو علي : هما لغتان ، والجمع : أدراك ؛ وقيل : جمع المحرك : أدراك ، مثل : جمل وأجمال ، وجمع الساكن : أدرك ، مثل : فلس وأفلس. قال النحاس : والتحريك أفصح. والدرك : الطبقة. والنار دركات سبع ، فالمنافق في الدرك الأسفل منها ، وهي الهاوية ، لغلظ كفره وكثرة غوائله ، وأعلى الدركات : جهنم ، ثم الحطمة ، ثم السعير ، ثم سقر ، ثم الجحيم ، ثم الهاوية. وقد تسمى جميعها باسم الطبقة العليا ، أعاذنا الله من عذابها (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) يخلصهم من ذلك الدرك ، والخطاب لكل من يصلح له ، أو للنبيّ صلىاللهعليهوسلم (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) استثناء من المنافقين ، أي : إلا الذين تابوا عن النفاق (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) أي : جعلوه خالصا له غير مشوب بطاعة غيره. والاعتصام بالله : التمسك به والوثوق بوعده ، والإشارة بقوله : (فَأُولئِكَ) إلى الذين تابوا واتصفوا بالصفات السابقة. قوله : (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) قال الفراء : أي من المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا. قال القتبي : حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال : (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل : هم المؤمنون. انتهى. والظاهر أن معنى : مع ، معتبر هنا ، أي : فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة. ثم بين ما أعدّ الله للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال : (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) وحذفت الياء من يؤت في الخط كما حذفت في اللفظ : لسكونها وسكون اللام بعدها ، ومثله : (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) (١) و (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) (٢) و (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ) (٣) ونحوها ، فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. قوله : (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) هذه الجملة متضمنة لبيان : أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرّد المجازاة للعصاة. والمعنى : أيّ منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ فإن ذلك لا يزيد في ملكه ، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه (وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً) أي : يشكر عباده على طاعته ، فيثيبهم عليها ، ويتقبلها منهم. والشكر في اللغة : الظهور ، يقال دابة شكور : إذا ظهر من سمنها فوق ما تعطى من العلف.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن الحسن في قوله : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ) الآية ، قال : يلقى على مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة ، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، ومضى المؤمنون بنورهم ، فتلك خديعة الله إياهم. وأخرج ابن جرير عن السدّي نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير نحوه أيضا ، ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير ، فإن مثله لا ينقل إلا عن النبي صلىاللهعليهوسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق ، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ) قال : هم المنافقون (لا إِلى هؤُلاءِ) يقول : لا إلى أصحاب محمد (وَلا إِلى هؤُلاءِ) اليهود ، وثبت في الصحيح عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «إنّ مثل المنافق مثل الشاة العائرة (٤) بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرّة ، فلا تدري
__________________
(١). القمر : ٦.
(٢). العلق : ١٨.
(٣). ق : ٤١.
(٤). العائرة : المترددة بين قطيعين.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
