قال ابن جرير : والأولى أن تكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا. قال : وتدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل. وقال ابن كثير : إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا ، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة. بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وقد ورد فيه آيات كثيرة ، انتهى.
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣))
هو معطوف على «يؤمنون» والإقامة في الأصل : الدوام والثبات. يقال قام الشيء : أي دام وثبت. وليس من القيام على الرجل ، وإنما هو من قولك قام الحق : أي ظهر وثبت ، قال الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال آخر :
|
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا |
|
حتّى تقيم الخيل سوق طعان |
وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها. والصلاة أصلها في اللغة : الدعاء من صلّى يصلّي إذا دعا. وقد ذكر هذا الجوهري وغيره. وقال قوم : هي مأخوذة من الصّلا ، وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب. ومنه أخذ المصلّي في سبق الخيل ، لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلا السابق ، فاشتقت منه الصلاة لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل. وإما لأن الراكع يثنى صلويه ، والصلا مغرز الذنب من الفرس والاثنان صلوان ، والمصلي تالي السابق لأن رأسه عند صلوه. ذكر هذا القرطبي في تفسيره. وقد ذكر المعنى الثاني في الكشاف ، هذا المعنى اللغوي. وأما المعنى الشرعي : فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان والأذكار. وقد اختلف أهل العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعا شرعيا ابتدائيا. فقيل بالأوّل ، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة فيها. وقال قوم بالثاني. والرزق عند الجمهور : ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حراما خلافا للمعتزلة. فقالوا : إن الحرام ليس برزق ، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا. والإنفاق : إخراج المال من اليد ، وفي المجيء بمن التبعيضية هاهنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله : (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) قال : الصلوات الخمس (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) قال : زكاة أموالهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) قال : أنفقوا في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته وسبيله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) قال : هي نفقة الرجل على أهله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله عزوجل على قدر
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
