غلوّ ، فلم يفرّطوا في وصفه ، كما فرطت اليهود ، ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل : المراد بالآية : أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين على اليهود ، غالبين لهم ، قاهرين لمن وجد منهم ، فيكون المراد بالذين كفروا : هم اليهود خاصة ، وقيل : هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين ؛ وقيل : هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح ، وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين بطوائف المسلمين كما تفيده الآيات الكثيرة ، بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على كل الملل ، قاهرة لها مستعلية عليها. وقد أفردت هذه الآية بمؤلف سميته : [وبل الغمامة في تفسير ـ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة] فمن رام استيفاء ما في المقام فليرجع إلى ذلك. والفوقية هنا : هي أعم من أن تكون بالسيف أو بالحجة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة : أن عيسى عليهالسلام ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويحكم بين العباد بالشريعة المحمدية ، ويكون المسلمون أنصاره وأتباعه إذ ذاك ، فلا يبعد أن يكون في هذه الآية إشارة إلى هذه الحال. قوله : (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي : رجوعكم ، وتقديم الظرف للقصر (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) يومئذ (فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من أمور الدين. وقوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) : تفسير للحكم. قوله : (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) متعلق بقوله : فأعذبهم ، أما تعذيبهم في الدنيا : فبالقتل والسبي والجزية والصغار ، وأما في الآخرة : فبعذاب النار. قوله : (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي : نعطيهم إياها كاملة موفرة ، قرئ : بالتحتية وبالنون. وقوله : (لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) كناية عن بغضهم ، وهي جملة تذييلية مقررة لما قبلها. قوله : (ذلِكَ) إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى وغيره ، وهو مبتدأ ، خبره ما بعده ، و (مِنَ الْآياتِ) حال ، أو خبر بعد خبر. والحكيم : المشتمل على الحكم ، أو المحكم الذي لا خلل فيه.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) قال : كفروا وأرادوا قتله ، فذلك حين استنصر قومه. وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) قال : مع محمد وأمته أنهم شهدوا له أنه قد بلغ ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال : (مَعَ الشَّاهِدِينَ) مع أصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم. وأخرج ابن جرير عن السدي قال : إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت ؛ فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة ، فأخذها رجل منهم ، وصعد بعيسى إلى السماء ، فذلك قوله : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ). وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) يقول : مميتك. وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن الحسن قال : متوفيك من الأرض. وأخرج الآخران عنه قال : وفاة المنام. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : هذا من المقدّم والمؤخر : أي : رافعك إليّ ومتوفيك. وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن مطر الوراق قال : متوفيك من الدنيا وليس
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
