لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة. وقوله : (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) أي : فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر ، وهذا مجمع عليه. وقرأ الجمهور : (فَنِصْفُ) بالرفع. وقرأ من عدا الجمهور : بالنصب ، أي : فادفعوا نصف ما فرضتم ، وقرئ أيضا : بضم النون وكسرها ، وهما لغتان. وقد وقع الاتفاق أيضا على : أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ومات ؛ وقد فرض لها مهرا ؛ تستحقه كاملا بالموت ، ولها الميراث وعليها العدة. واختلفوا في الخلوة : هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك ، والشافعي في القديم ، والكوفيون ، والخلفاء الراشدون ، وجمهور أهل العلم ، وتجب عندهم أيضا العدّة. وقال الشافعي في الجديد : لا يجب إلا نصف المهر ، وهو ظاهر الآية ، لما تقدّم من أن المسيس هو الجماع ، ولا تجب عنده العدة ، وإليه ذهب جماعة من السلف. قوله : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) أي : المطلقات ، ومعناه : يتركن ويصفحن ، ووزنه يفعلن ، وهو استثناء مفرغ من أعمّ العام ، وقيل : منقطع ، ومعناه : يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج. ولم تسقط النون مع أن ، لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع ، والنصب ، والجزم لكون النون ضميرا ، وليست بعلامة إعراب كما في المذكر في قولك : الرجال يعفون ، وهذا عليه جمهور المفسرين. وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يعني : الرجال وهو ضعيف لفظا. ومعنى قوله : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) معطوف على محل قوله : «إلا أن يعفون» لأن الأول مبني وهذا معرب ؛ قيل هو الزوج ، وبه قال جبير بن مطعم ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والشعبي ، وعكرمة ، ونافع ، وابن سيرين ، والضحاك ، ومحمد بن كعب القرظي ، وجابر بن زيد ، وأبو مجلز ، والربيع بن أنس ، وإياس بن معاوية ، ومكحول ، ومقاتل بن حيان ، وهو الجديد من قولي الشافعي ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، وابن شبرمة ، والأوزاعي ، ورجحه ابن جرير. وفي هذا القول قوّة وضعف ؛ أما قوته : فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج ، لأنه هو الذي إليه رفعه بالطلاق ، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول ، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملا غير ظاهر. لأن العفو لا يطلق على الزيادة. وقيل : المراد بقوله : (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) هو الولي ، وبه قال النخعي ، وعلقمة ، والحسن ، وطاوس ، وعطاء ، وأبو الزناد ، وزيد بن أسلم ، وربيعة ، والزهري ، والأسود بن يزيد ، والشعبي ، وقتادة ، ومالك ، والشافعي في قوله القديم ، وفيه قوّة وضعف ؛ أما قوّته فلكون معنى العفو فيه معقولا ؛ وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده ، ومما يزيد هذا القول ضعفا : أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الوليّ لا يملك شيئا من مالها ، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأوّلون لوجهين ، الأوّل : أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. الثاني : أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك مطلق التصرف بخلاف الولي ، وتسمية الزيادة عفوا وإن كان خلاف الظاهر ، لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملا عند العقد كان العفو معقولا ، لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف منه ، ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال : إنه من باب المشاكلة كما في الكشاف ، لأنه
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
