على الخلق أجمعين ، ويجاب عنه : بأن ذلك لا ينافي الوجوب ، بل هو تأكيد له ، كما في قوله في الآية الأخرى : (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) أي : أن الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى ، كل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه ، وقد وقع الخلاف أيضا : هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط؟ فقيل : إنها مشروعة لكل مطلقة ، وإليه ذهب ابن عباس ، وابن عمر ، وعطاء وجابر بن زيد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، والحسن البصري ، والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد ، وإسحاق ، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة فقط؟ واستدلوا بقوله تعالى : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١) وبقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (٢) والآية الأولى عامة لكل مطلقة ، والثانية في أزواج النبي صلىاللهعليهوسلم وقد كنّ مفروضا لهنّ مدخولا بهنّ. وقال سعيد بن المسيب : إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضا لها لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَ) (٣) قال : هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى : أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء والتسمية ، لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى ، أو مهر المثل ، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة ، أي : سمى لها مهرا ، وطلقها قبل الدخول ، تستحق نصف المسمى ، ومن القائلين بهذا ابن عمر ، ومجاهد. وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة. وأما إذا كانت أمة فذهب الجمهور إلى أن لها المتعة ، وقال الأوزاعي والثوري : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها ، وهو لا يستحق ما لا في مقابل تأذي مملوكته ، لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض ، لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك. وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدّرة بقدر أم لا؟ فقال مالك ، والشافعي في الجديد : لا حدّ لها معروف ، بل ما يقع عليه اسم المتعة. وقال أبو حنيفة : إنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها ، ولا ينقص عن خمسة دراهم ، لأن أقل المهر عشرة دراهم. وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله. وقوله : (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج ، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير. وقرأ الجمهور : على الموسع بسكون الواو وكسر السين ، وهو الذي اتسعت حاله. وقرأ أبو حيوة : بفتح الواو وتشديد السين وفتحها. وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم في رواية أبي بكر : قدره بسكون الدال فيهما. وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال الأخفش وغيره : هما لغتان فصيحتان ، وهكذا يقرأ في قوله تعالى : (فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها) (٤). وقوله : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (٥) والمقتر : المقلّ ، ومتاعا : مصدر مؤكد لقوله : (وَمَتِّعُوهُنَ) ، والمعروف : ما عرف في الشرع ، والعادة الموافقة له. وقوله : (حَقًّا) وصف لقوله : (مَتاعاً) أو : مصدر لفعل محذوف ، أي : حق ذلك حقا ، يقال : حققت عليه القضاء وأحققت ، أي : أوجبت. قوله : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ) الآية ، فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة
__________________
(١). البقرة : ٢٤١.
(٢). الأحزاب : ٢٨.
(٣). الأحزاب : ٢٩.
(٤). الرعد : ١٧.
(٥). الأنعام : ٩١.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
