من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه) ، فإن كل مرض وفقر وسوء حال يحل بأحد ، يكسر سورة نفسه وقواها ، ويقمع صفاتها وهواها ، فيلين القلب ، ويبرز من حجابها ، وينزعج من الركون إلى الدنيا ولذاتها ، وينقبض منها ويشمئز ، فيتوجه إلى الله. وأقل درجاته أنه إذا اطّلع على أن لا مفر منه إلا إليه ، ولم يجد مهربا ومحيصا من البلاء سواه ، تضرع إليه وتذلل بين يديه ، كما قال : (وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [لقمان : ٣٢] (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً) [يونس : ١٢] وبالجملة يوجب رقة الحجاب أو ارتفاعه ، فليغتنم وقته وليتعوّد ، وليتخذ ملكة يعود إليها أبدا حتى يستقر التيقظ والتذكر ، وتتسهل التوبة والحضور ، فلا يتعوذ الغفلة عند الخلاص فتغلب ، وتتقوى النفس عند الأمان ، وينسبل الحجاب أغلظ مما كان ، كما قال : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت : ٦٥] (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ) [يونس : ١٢] انتهى.
الثالث ـ قال السيوطي في (الإكليل) : أخذ ابن عباس من قوله (ثُمَّ انْصَرَفُوا) كراهية أن يقال : انصرفت من الصلاة ـ أخرجه ابن أبي حاتم ـ ومرجع هذا إلى أدب لفظي ، باجتناب ما يوهم ، أو ما نعي به على العصاة.
وقد عقد الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) فصلا في هدي النبي صلىاللهعليهوسلم في حفظ المنطق ، واختيار الألفاظ ، فليراجع.
ثم بيّن تعالى ما امتن به على المؤمنين من بعثة خاتم النبيين بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :
(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٢٨)
(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي رسول عظيم من جنسكم ، ومن نسبكم ، عربيّ قرشيّ مثلكم ، كما قال إبراهيم عليهالسلام : (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ) [البقرة : ١٢٩] وقال تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [آل عمران : ١٦٤].
وكلّم جعفر بن أبي طالب النجاشي ، والمغيرة بن شعبة رسول كسرى ، فقالا :
![تفسير القاسمي [ ج ٥ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3914_tafsir-alqasimi-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
