يدرك الصلاة في مسجد بني عامر ، فقيل له : مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد ، فقال : لا أحب أن أصلي فيه ، فإنه بني على ضرار ، وكل مسجد بني على ضرار ، أو رياء وسمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضرارا.
وعن عطاء : لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر رضي الله عنه ، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين ، يضارّ أحدهما صاحبه ـ انتهى.
وقال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) في فوائد غزوة تبوك :
ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها ، كما حرق رسول الله صلىاللهعليهوسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه. وهو مسجد يصلى فيه ، ويذكر اسم الله فيه. لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين ، ومأوى للمنافقين. وكل مكان هذا شأنه ، فواجب على الإمام تعطيله ، إما بهدم أو تحريق ، وإما بتغيير صورته ، وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار ، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله ، أحق بذلك وأوجب. وكذلك محال المعاصي والفسوق ، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر رضي الله عنه قرية بكاملها يباع فيها الخمر ، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه (فريسقا) ، وأحرق قصر سعد عليه لما احتجب عن الرعية. وهمّ (١) رسول الله صلىاللهعليهوسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة ، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم ، كما أخبر هو عن ذلك ـ انتهى ـ.
ثم قال ابن القيّم : ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة ، كما لم يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر ، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد ـ نص على ذلك الإمام أحمد وغيره ـ فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر ، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه ، وكان الحكم للسابق ، فلو وضعا معا لم يجز. ولا يصح هذا الوقف ، ولا يجوز ، ولا تصحّ الصلاة في هذا المسجد ، لنهي رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن ذلك (٢) ، ولعنه من اتخذ القبر مسجدا ، أو أوقد عليه سراجا.
__________________
(١) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاريّ في صحيحه في : الأذان ، ٢٩ ـ باب وجوب صلاة الجماعة حديث رقم ٤٠٨ عن أبي هريرة.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه في : الصلاة ، ٥٥ ـ باب حدثنا أبو اليمان ، حديث رقم ٢٨٥ و ٢٨٦ عن عائشة وعبد الله بن عباس.
![تفسير القاسمي [ ج ٥ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3914_tafsir-alqasimi-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
