ونقل ما يقرب منه ابن حجر في (الفتح) حيث قال : والصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه.
الرابعة ـ إنما قيل (وَلا يُنْفِقُونَها) بضمير المؤنث ، مع أن الظاهر التثنية ، إذ المذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة ، وذلك لأن الكثير منهما هو الذي يكون كنزا ، فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة ، ولو ثنّى احتمل خلافه. وقيل : الضمير عائد على الكنوز أو الأموال المفهومة من الكلام ، فيكون الحكم عاما ، ولذا عدل فيه عن الظاهر. وتخصيصهما بالذكر ، لأنهما الأصل الغالب في الأموال للتخصيص. وقيل : الضمير للفضة ، واكتفى بها ، لأنها أكثر ، والناس إليها أحوج ، ولأن الذهب يعلم منها بالطريق الأولى ، مع قربها لفظا.
الخامسة ـ في قوله تعالى (فَبَشِّرْهُمْ) تهكم بهم ، كما في قوله :
تحيّة بينهم ضرب وجيع
وقيل : البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة ، لتأثيره في القلب ، سواء كان من الفرح أو من الغم.
السادسة ـ قيل في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالكيّ دون غيرها : بأن جمع ذويها وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية ، والملابس البهية ، فلوجاهتهم ورئاستهم المعروفة بوجوههم ، كان الكيّ بجباههم ، ولامتلاء جنوبهم بالطعام كووا عليها. ولما لبسوه على ظهورهم كويت. وقيل : لأنهم إذا سألهم فقير تبدو منهم آثار الكراهة والمنع ، فتكلح وجوههم ، وتقطب. ثم إذا كرر الطلب ازورّوا عنه وتركوه جانبا ، ثم إذا ألحّ ولّوه ، ظهورهم واستقبلوا جهة أخرى ، وهي النهاية في الرد ، والغاية في المنع ، الدال على كراهية الإعطاء والبذل. وهذا دأب مانعي البر والإحسان ، وعادة البخلاء ، فكان ذلك سببا لكيّ على الأعضاء. وقيل : لأن هذه الأعضاء أشرف الأعضاء الظاهرة ، إذ هي المشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد. أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه ، فيكون كناية عن جميع البدن.
وقال القاشاني : جمع المال وكنزه مع عدم الإنفاق لا يكون إلا لاستحكام رذيلة الشح ، وحب المال. وكل رذيلة لها كيّة يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا. ولما كانت مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال ، وكان هو
![تفسير القاسمي [ ج ٥ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3914_tafsir-alqasimi-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
