تنازع وتجالد مستمرّ دماء بين العالمين مسفوكة ، وقوى منهوكة ، وأموال هالكة ، وظلم من الإحن حالكة. ومع ذلك ، فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنّن في الملاذ بالغة حدّ ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء ، والقواد ورؤساء الأديان من كل أمّة ، وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حدّ. فزادوا في الضرائب ، وبالغوا في فرض الإتاوات ، حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم. وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها ، وانحصر سلطان القويّ في اختطاف ما بيد الضعيف. وفكّر العاقل ، في الاحتيال لسلب الغافل ؛ وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب ، لفقد الأمن على الأرواح والأموال. غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم. فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب. يديرها من وراء حجاب ، ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب ، ففقد بذلك الاستقلال الشخصيّ ، وظنّ أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلّا لخدمة ساداتهم وتوفير لذّاتهم ، كما هو الشأن في العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها ، وغلبتها على الحق والعدل شهواتها. ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها. فلم يفارقها الحذر من أنّ بصيص النور الإلهي ، الذي يخالط الفطر الإنسانية ، قد يفتق الغلف التي أحاطت بالقلوب ، ويمزّق الحجب التي أسدلت على العقول. فتهتدي العامة إلى السبيل ، ويثور الجم الغفير على العدد القليل ، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام. ويهيّئوا كسفا من الأباطيل والخرافات ، ليقذفوا بها في عقول العامة. فيغلظ الحجاب ، ويعظم الرّين ، ويختنق بذلك نور الفطرة. ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم.
وصرّح الدين ، بلسان رؤسائه ، أنه عدوّ العقل وعدوّ كل ما يثمره النظر. إلّا ما كان تفسيرا لكتاب مقدس. وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب ، ومدد لا ينفد.
هذه حالة الأقوام كانت في معارفهم ، وذلك كان شأنهم في معايشهم. عبيد أذلاء ، حيارى في جهالة عمياء ، اللهمّ إلّا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية ، والشرائع السابقة ، آوت إلى بعض الأذهان ، ومعها مقت الحاضر ، ونقص العلم بالغابر ، ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها ، بما انقلب من الوضع ، وانعكس من الطبع ، فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة ، والشره حيث تنتظر القناعة ، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام. مع قصور النظر عن معرفة السبب ، وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كلّ ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك. وذهب بالناس
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
