الله». فبيّن أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من القدر ، ليس القدر مجرّد دفع المكروه بلا سبب. وكذلك قول من قال : (إن الدعاء لا يؤثر شيئا والتوكل لا يؤثر شيئا) هو من هذا الجنس ، لكن إنكار ما أمر به من الأعمال أمر ظاهر ، بخلاف تأثير التوكل. لكن الأصل واحد. وهو النظر إلى المقدور مجردا عن أسبابه ولوازمه. ومن هذا الباب : (أن المقتول يموت بأجله) عند عامة المسلمين. إلّا فرقة من القدرية قالوا : إن القاتل قطع أجله. ثم تكلم الجمهور : لو لم يقتل؟ قال بعضهم : كان يموت لأن الأجل قد فرغ ، وقال بعضهم : لا يموت لانتفاء السبب. وكلا القولين قد قال به من ينسب إلى السنة ، وكلاهما خطأ. فإن القدر سبق بأنه يموت بهذا السبب لا بغيره. فإذا قدر انتفاء هذا السبب كان فرض خلاف ما في المقدور ، ولو كان المقدور أنه لا يموت بهذا السبب ، أمكن أن يكون المقدور أنه يموت بغيره ، وأمكن أن يكون القدر أنه لا يموت. فالجزم بأحدهما جهل فيما تعددت أسبابه ، لم يجزم بعدمه عند عدم بعضها ، ولم يجزم بثبوته إن لم يعرف له سبب آخر. بخلاف ما ليس له إلّا سبب واحد. مثل دخول النار ، فإنه لا يدخلها إلّا من عصى. فإذا قدر أنه لم يعص لم يدخلها. وقال تعالى : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران : ١٥٩ ـ ١٦٠] فأمره إذا عزم ، أن يتوكل على الله ؛ فلو كان التوكل لا يعينه على نيل ما عزم عليه ، لم يكن لأمره به عند العزم فائدة ، بيّن أنه هو سبحانه الناصر دون غيره وقال : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران : ١٦٠] فنهى عن التوكل على غيره ، وأمر بالتوكل عليه ليحصل للمتوكل عليه النصر الذي لا يقدر عليه غيره. وإلّا فالمتوكل على غيره يطلب منه النصر ، فإن كان ذلك المطلوب لا يحصل منه لم يكن لذكر انفراده بالنصر معنى ؛ فإنه على هذا القول : نصره لمن توكل عليه كنصره لمن لم يتوكل عليه. وهذا يناقض مقصود الآية. بل عند هؤلاء : قد ينصر من يتوكل على غيره ولا ينصر من يتوكل عليه ، فكيف يأمر بالتوكل عليه دون غيره مقرونا بقوله : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وكذلك قوله تعالى : (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) ... ـ إلى قوله ـ (قُلْ حَسْبِيَ اللهُ ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ). [الزمر : ٣٦ ـ ٣٩] فبيّن أن الله يكفي عبده الذي يعبده ، الذي هو من عباده الذين ليس للشيطان
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
