وروى ابن جرير (١) عن أيوب قال : رأيت عكرمة يمسح على رجليه. وعن الشعبيّ (٢) قال : نزل جبريل بالمسح. ألا ترى أنّ التيمم ، أن يسمح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟
وأما من ذهب إلى التخيير ، فقال : لما جاءت القراءة بما يوجب الغسل وبما يوجب المسح ، دلّ على أنه مخيّر. قال في (الشفا) : القراءتان لا توجبان الجمع ، بل تثبتان التخيير.
ولا يخفى أن ظاهر الآية صريح في أن واجبهما المسح. كما قال ابن عباس وغيره. وإيثار غسلهما في المأثور عنه صلىاللهعليهوسلم ، إنما هو للتزيد في الفرض والتوسع فيه حسب عادته صلىاللهعليهوسلم ، فإنه سنّ في كل فرض سننا تدعمه وتقويه. في الصلاة والزكاة والصوم والحج. وكذا في الطهارات كما لا يخفى ، ومما يدلّ على أن واجبهما المسح ، تشريع المسح على الخفين والجوربين. ولا سند له إلا هذه الآية. فإن كل سنة أصلها في كتاب الله ، منطوقا أو مفهوما ، فاعرف ذلك واحتفظ به ، والله الهادي.
فصل
فيما قاله الصوفية ـ قدس الله سرهم ـ من أسرار طهارة هذه الأعضاء :
فأما الوجه ، فإنما وجب غسله لأن فيه أكثر الحواس الظاهرة التي ينتفع بالمحسوسات بواسطتها ، فلا بدّ من تطهيره عن ظهور آثار حدثت عنها ، ولسبق الإحساس على العمل ، قدم ما فيه أكثر الحواس الظاهرة أي غير السمع. ثم أمر بتطهير الآلة الفاعلية للأفعال التي منها تلك الآثار ـ وهي الأيدي إلى المرافق ـ لأن العمل بالأصابع يحتاج إلى تحريك الكف التي لا تتحرك غالبا إلّا بتحريك المرافق ، ثم أمر بمسح الرأس لأنه جامع للحواس الباطنة ، فأشبه جامع الحواس الظاهرة ، وأخره عن غسل اليدين لأنه مخزن الصور المدركة بالحواس الظاهرة من أعماله وغيرها. ولم يأمر بغسله لأنه يضر بصاحب الشعر ، ولا بد منه في الزينة ، لا سيّما للمرأة ، فخفف بالمسح. ثم أوجب غسل آلة السعي لمشابهة آلة العمل وهي الأرجل ، ولما كانت حركتها توجب حركة جميع البدن ، اقتصر على أدنى الغايات ، أعني : الكعبين ، لئلا
__________________
(١) الأثر رقم ١١٤٨٦.
(٢) الأثر رقم ١١٤٨٠.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
