المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه ، بل لترحمه على العباد ، وتمهيد لقوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) أي : من الخلق يعملون بطاعته (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) ذهب بهم ثم بذريتهم ، لكنه أبقاكم ترحما عليكم. وهذا كقوله تعالى (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) [محمد صلىاللهعليهوسلم : ٣٨].
القول في تأويل قوله تعالى :
(إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)(١٣٤)
(إِنَّ ما تُوعَدُونَ) أي : من البعث وأحواله (لَآتٍ) أي : لكائن لا محالة (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي : بفائتين يعجز عنكم. وهذا ردّ لقولهم : من مات فقد فات. أي : هو قادر على إعادتكم ، وإن صرتم رفاتا.
القول في تأويل قوله تعالى :
(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(١٣٥)
(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) أي : على غاية تمكنكم واستطاعتكم. يقال : مكن مكانة ، إذا تمكن أبلغ التمكن. أو على جهتكم وحالتكم ، من قولهم : مكان ومكانة ، كمقام ومقامة. والمعنى : اثبتوا على كفركم. (إِنِّي عامِلٌ) أي : ما أمرت به من الثبات على الإسلام. (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) أي : التي بنيت لعبادته تعالى وحده ، دون غيرهم ، هل تكون للعدل الذي يضع العبادة في موضعها ، أو للظالم بوضعها في غير موضعها. والمراد بالدار ، الدنيا. وبالعاقبة ، العاقبة الحسنى. أي : عاقبة الخير ، لأنها الأصل ، فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة ، وقنطرة المجاز إليها.
(إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) أي : الكافرون. ووضع الظلم موضع الكفر ، إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أيّ فرد كان من أفراد الظلم ، فما ظنك بالكفر الذي هو أعظم أفراده؟
لطائف :
في إيراد التهديد بصيغة الأمر ، أعني : قوله (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) مبالغة في الوعيد ، كأن المهدّد يريد تعذيبه ، مجمعا عليه ، فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
