(وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) أي : ما فيها من الزهرة والنعيم ، وهو بيان لما أدّاهم في الدنيا إلى الكفر (وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) أي : في الآخرة. قال المهايميّ : بعد شهادة جوارحهم (أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) أي : في الدنيا بما جاءتهم الرسل.
تنبيهات :
الأول ـ استدل بقوله تعالى : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) من قال إن الله بعث إلى الجن رسلا منهم. وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم ، والأكثرون على أنه لم يكن من الجن رسول ، وإنما كانت الرسل من الإنس فقط. نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة ، من السلف والخلف.
قال ابن عباس : الرسل من بني آدم ، ومن الجن نذر. وأجابوا عن ظاهر الآية بأن فيها مضافا. أي : من أحدكم ، وهم الإنس. أو من إضافة ما للبعض للكل ، كقوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن : ٢٢] ، وإنما يخرجان من أحدهما ، وهو الملح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله : (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) [الرحمن : ١٩] ، وهو جائز في كل ما اتفق في أصله. فلذلك لما اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز ، مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين ، وهم الإنس. وهذا قول الفرّاء والزجاج.
وقال أبو السعود : المعنى : ألم يأتكم رسل من جملتكم ، لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معا ، بل من الإنس خاصة. وإنما جعلوا منهما ، إما لتأكيد وجوب اتباعهم ، والإيذان بتقاربهما ذاتا ، واتحادهما تكليفا وخطابا ، كأنهما من جنس واحد. ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر. وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل. وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن ، وأنذروا به قومهم ، حيث نطق به قوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ...) [الأحقاف : ٢٩] إلى قوله تعالى : (وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) [الأحقاف : ٢٩]. انتهى.
وهكذا في عهد كل رسول لا يبعد أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من جنّ عصره فيسمعون كلامهم ، ويأتون قومهم من الجن ، ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل ، وينذرونهم به. وقد سمى تعالى رسل عيسى رسل نفسه فقال : (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) [يس : ١٤] وتحقيق القول فيه : أنه تعالى إنما بكّت الكفار بهذه الآية ، لأنه تعالى أزال العذر ، وأزاح العلة ، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين. فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق ، فقد حصل
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
