وستر الحق ـ جعلنا في كل قرية ، أرسلنا إليها الرسل ، أكابرها المجرمين ، متصفين بصفات المذكورين ، مزينا لهم أعمالهم ، مصرين على الباطل ، مجادلين به الحق ، ليفعلوا المكر فيها على أتباعهم بالتلبيس ، ليتركوا متابعة الرسل.
قال ابن كثير : المراد بـ (المكر) هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف المقال والفعال ، كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح : (وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً) [نوح : ٢٢] ، وكقوله تعالى : (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ، بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً ...) [سبأ : ٣١ ـ ٣٣] الآية.
وقال الزمخشري : خص الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال ، والماكرون بالناس ، كقوله : (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء : ١٦].
(وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ) أي : ما يضرون بمكرهم إلا أنفسهم ، لأن وباله يحيق بهم ، كما قال تعالى : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ) [العنكبوت : ١٣]. وقال : (وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) [النحل : ٢٥]. قال الزمخشري : هذه تسلية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وتقديم موعد بالنصرة عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ)(١٢٤)
(وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ) أي : برهان وحجة قاطعة (قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ) أي : من الوحي والمعجزات المصدقة له. كقوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ...) [الفرقان : ٢١] الآية. وقوله سبحانه : (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) [المدثر : ٥٢].
(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) كلام مستأنف للإنكار عليهم ، وأن لا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها ، فيليق للاستشراق بأنوار علمه ، والأمانة على مكنون
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
