تنبيهان :
الأول ـ ظاهر الخطاب في الآية على العموم. وخصه في (الكشاف) بالكفرة ، ذهابا إلى أن قوله : (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ) يدل على تهديد شديد ، لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين ، وأن المقصود بيان حالهم المذمومة في الليل ، كما أن قوله : (ما جَرَحْتُمْ) بيان حالهم المذمومة في النهار. وحمل (البعث) لا على الإيقاظ ، بل على البعث من القبور. وفي (فيه) بمعنى (من أجله) كقولك : فيم دعوتني؟ فتقول : في أمر كذا ، والمعنى : أنكم ملقون كالجيف بالليل كاسبون للآثام بالنهار. وأنه تعالى مطلع على أعمالكم ، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم به أعماركم ، من النوم بالليل ، وكسب الآثام بالنهار ، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى ، وجزائهم على أعمالهم. والذي حمله على ذلك. زعمه أن قوله (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) دالّ على حال اليقظة ، وكسبهم فيها. وكلمة (ثُمَ) تقضي تأخير البعث عنها.
قال شراحه : ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وأنه لا حاجة إليه ، لأن قوله : (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك الليل ، ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي ، وأن الإيقاظ متأخر عن التوفي. وإن قولنا (يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدرة) كلام منتظم غاية الانتظام.
الثاني ـ قال الشريف المرتضى في (الدرر والغرر) فيما وقع من القرآن من ذكر الرجوع إلى الله نحو (إِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) : كيف ترجع إليه ، وهي لم تخرج من يده؟
وأجاب : بأنه في دار التكليف قد يغير البعض ، فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى غيره. فإذا انكشف الغطاء ، انقطعت حبال الآمال عن غيره ، فيرجع إليه. أو أن المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقيّ. ف (رجع) بمعنى (صار). تقول العرب : رجع عليّ من فلان مكروه ، بمعنى صار ، ولم يكن سبق. فهو بمعنى المصير إليه ، كما تشهد به اللغة. أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ظاهرا كالعبد لسيده ، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة ، زال ذلك ، ورجع الأمر كله إلى الله ، ظاهرا وباطنا.
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ)(٦١)
(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) قد مرّ تفسيره ، وأنه المتصرف في أمورهم لا غيره ، يفعل بهم ما يشاء.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
