في أمري ، كما ينبئ عنه قولهم : (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ). والمعنى : إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة ، حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها ، وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك ، دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا. بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عزوجل ، والعلم بمقتضاه فقط ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) أي : ما أتبع فيما أقول لكم إلا ما يوحى إليّ من جهته تعالى ، شرفني بذلك وأنعم به عليّ ، إذ يكشف لي عن الملائكة فيخبرونني.
ثم كرر الأمر تثنية للتبكيت بقوله :
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) مثل للضال والمهتدي على الإطلاق. والاستفهام إنكاري ، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق ، ومن يعلمها. وفيه الإشعار بكمال ظهورها ، ومن التنفير عن الضلال ، والترغيب في الاهتداء ـ ما لا يخفى. أفاده أبو السعود.
وقوله تعالى : (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر. أي : أفلا تتفكرون فتهتدوا ، ولا تكونوا ضالين أشباه العميان.
تنبيهات :
الأول ـ جعل بعض المفسرين قوله تعالى : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) تبرؤا من دعوى الألوهية ، لأن قسمة الأرزاق بين العباد ، ومعرفة الغيب ، مخصوصان به تعالى. قال : ولذا كرر في الملكية لفظ (وَلا أَقُولُ). والمعنى : لا أدعي الألوهية ولا الملكية.
وأورد على هذا أن المراد : لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه ، وليس المراد التبرؤ عن دعوى الإلهية ، وإلا لقيل : لا أقول لكم إني إله. كما قيل : ولا أقول لكم إني ملك. وأيضا في الكناية عن الألوهية ب (عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ) ما لا يخفى من البشاعة ، بل هو جواب عن اقتراحهم عليه صلىاللهعليهوسلم أن يوسع عليهم خيرات الدنيا ـ كذا في (العناية) ـ.
قال أبو السعود : وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية ، مما لا وجه له قطعا.
الثاني ـ قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء ، لأن المعنى : لا أدعي منزلة فوق منزلتي. ولو لا أن الملك أفضل ، وإلا لم يصح ذلك.
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
