بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة ، وأنه من أجل النعم ، وأجزل القسم. أي : فهو إخبار بمعنى الأمر ، تعليما للعباد.
قال الناصر في (الانتصاف) : ونظيرها قوله تعالى : (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ، فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) [النمل : ٥٨ ، ٥٩] فيمن وقف هاهنا ، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين ، ومنهم من وقف على (الْمُنْذَرِينَ) وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى ، وأنه جل جلاله خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ختما ، وعلى الثاني فاتحة ، وهو مستعمل فيهما شرعا ، ولكنه في آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده ، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما ، إذ لا يقتضي السياق غير ذلك. انتهى.
فقلت : إذا جرينا على ما هو الأسدّ في الآي من توافق النظائر ، اقتضى حمل آية النمل على ما هنا ، وادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. فتأمل. ثم أمر تعالى رسوله بتكرير التبكيت عليهم. وتثنية الإلزام.
القول في تأويل قوله تعالى :
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)(٤٦)
بقوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ) بأن أصمكم وأعماكم ، (وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ) بأن غطى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم (مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟) أي : بذلك المأخوذ. وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر ، لأنها أشرف أعضاء الإنسان ، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان ، وفسد أمره ، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا.
(انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي نوردها بطرق مختلفة ، كتصريف الرياح. و (انظر) يفيد التعجيب من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة.
(ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) أي : بعد رؤيتهم تصريف الآيات يعرضون عنها ، فلا يتأملون فيها ، عنادا وحسدا وكبرا.
تنبيهات :
الأول ـ المراد بالآيات : إما مطلق الدلائل القرآنية مطلقا ، أو ما ذكر من أول
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
