حتى يتم له أن هذا الوجه من المشيئة لم يقع ، وأن مشيئته اجتماعهم على الهدى على اختيار منهم ، ثابتة غير ممتنعة ، ولكن لم يقع متعلقها. وهذه من خباياه ومكامنه فاحذرها ـ والله الموفق ـ.
الثالث ـ لم يقل (لا تكن جاهلا) بل من قوم ينسبون إلى الجهل ، تعظيما لنبيه صلىاللهعليهوسلم بأن لم يسند الجهل إليه ، للمبالغة في نفيه عنه. وما فيه من شدة الخطاب ، سرّه تبعيد جنابه الكريم عن الحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر ، مما لا يليق إلا بالجاهلين.
القول في تأويل قوله تعالى :
(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦)
وقوله تعالى : (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) تقرير لما مرّ من أن على قلوبهم أكنة ، وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى ، لا يتصور منهم الإيمان البتة. أي : إنما يستجيب لك ، بقبول دعوتك إلى الإيمان ، الأحياء الذين يسمعون ما يلقى إليهم ، سماع تفهم ، دون الموتى الذين هؤلاء منهم. كقوله تعالى : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) [النمل : ٨٠] ، وإن كانوا أحياء بالحياة الحيوانية ، أموات بالنسبة إلى الإنسانية ، لموت قلوبهم بسموم الاعتقادات الفاسدة ، والأخلاق الرديئة.
و (الْمَوْتى) مبتدأ. يعني : الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون ، يبعثهم الله يوم القيامة ، ثم إليه يرجعون ، فيجزيهم بأعمالهم. فالموتى مجاز عن الكفرة كما قيل :
|
لا يعجبنّ الجهول بزّته |
|
فذاك ميت ثيابه كفن |
قيل : فيه رمز إلى أن هدايتهم كبعث الموتى ،. فلا يقدر عليه إلا الله ، ففيه إقناط للرسول صلىاللهعليهوسلم عن إيمانهم. وفي تسميتهم (موتى) من التهكم بهم ، والإزراء عليهم ، ما لا يخفى.
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَقالُوا لَوْ لا (٣٧) نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)
(وَقالُوا) يعني : مشركي مكة ، بيان لنوع آخر من تعنتهم ، إذ لم يقتنعوا بما
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
