أتم حنق عليه ، وأشد طلب لنفسه. وهو بينهم مسترسل قاهر ، ولهم مخالط ومكاثر ، ترمقه أبصارهم شزرا ، وترتد عنه أيديهم ذعرا ، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا ، حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عنهم. سليما لم يكلم في نفس ولا جسد. وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فعصمه منهم.
ثم قال الماورديّ رحمهالله تعالى : وإن قريشا اجتمعت في دار الندوة. وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة ، وكان زعيم القوم. وساعده عبد الله بن الزّبعري وكان شاعر القوم. فحضهم على قتل محمد صلىاللهعليهوسلم وقال لهم : الموت خير لكم من الحياة. فقال بعضهم : كيف نصنع؟ فقال أبو جهل : هل محمد إلا رجل واحد؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟ فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه؟ وأطرق مليا. فقالوا : من فعل هذا ساد. فقال أبو جهل : ما محمد بأقوى من رجل منا. وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر. فإن قتلت أرحت قومي ، وإن بقيت فذاك الذي أوثر. فخرجوا على ذلك. فلما اجتمعوا في الحطيم ، خرج عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقالوا : قد جاء. فتقدم من الركن فقام يصلي. فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود ، فقال أبو جهل : فإني أقوم فأريحكم منه ، فأخذ مهراسا عظيما. ودنا من رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه ، وهو يراه. فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله. فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد ، وقد دوخت أوداجه. ورسول الله صلىاللهعليهوسلم ساجد ، فقال أبو جهل لأصحابه : خذوني إليكم. فالتزموه وقد غشي عليه ساعة. فلما آفاق قال له أصحابه : ما الذي أصابك؟ قال : لما دنوت منه ، أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه. فحمل عليّ أسنانه. فلم أتمالك. وإني أرى محمدا محجوبا. فقال له بعض أصحابه : يا أبا الحكم! رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال : ما تغرّوني عن نفسي. قال النضر بن الحارث : فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له : يا أبا سهم! لئن فعلت هذا لتسودنّ. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله صلىاللهعليهوسلم. فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه. فأخذ حفنة من تراب وقال : شاهت الوجوه. وقال : حم لا ينصرون ، فتفرقوا عنه.
وهذا دفع إلهيّ وثق به من الله تعالى. فصبر عليه حتى وقاه الله ، وكان من أقوى شاهد على صدقه.
(ومن أعلامه) : أن معمر بن يزيد ، وكان أشجع قومه ، استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم. وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره ، فلما شكوا إليه قال لهم : إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه. وعندي عشرون ألف مدجّج
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
