قال ابن كثير : هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام ، المتفقة في التوحيد. كما ثبت في (صحيح البخاريّ) (١) عن أبي هريرة : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات. ديننا واحد. يعني بذلك ، التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله. كما قال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء : ٢٥]. وقال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل : ٣٦] الآية.
وقال أبو السعود : قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) كلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين ، من معاصريه صلىاللهعليهوسلم ، على الانقياد لحكمه بما أنزل إليه من القرآن الكريم. ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من الكتابين ، وإنما الذي كلفوا العمل بهما من مضى قبل نسخهما من الأمم السالفة. والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس قاطبة ، لكن لا للموجودين خاصة ، بل للماضين أيضا بطريق التغليب. والمعنى : لكل أمة كائنة منكم. أيها الأمم الباقية والخالية ، جعلنا ـ أي عيّنا ووضعنا ـ شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة. لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عيّنت لها. فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهماالسلام شرعتهم التوراة. والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبيّ عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل. وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلّا. فآمنوا به واعملوا بما فيه.
وفي (الإكليل) : استدلّ بهذه الآية من قال : إنّ شرع من قبلنا ليس بشرع لنا. وبقوله : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ ...) الآية ، من قال : إنه شرع لنا ما لم يرد ناسخ. واستدلّ بالآية. أيضا من قال : إن الكفر ملل لا ملة واحدة ، ولم يورّث اليهود من النصارى شيئا. انتهى.
قال النسفيّ : ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليهالسلام. ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليهالسلام. ثم إنزال القرآن على محمد صلىاللهعليهوسلم. وبيّن أنه ليس للسماع فحسب ، بل للحكم به. فقال في الأول : (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) وفي الثاني.
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، ٤٨ ـ باب (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها) ، حديث ١٦١٧ ونصه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدينا والآخرة. والأنبياء إخوة لعلّات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد».
![تفسير القاسمي [ ج ٤ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3912_tafsir-alqasimi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
