١٩٥٤ ـ اليهود يحسدوننا على القبلة
لمّا جاء الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب ، ارتياب وزيغ عن الهدى ، وتخبيط وشك ، وقال اليهود : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ...) (١٤٢) (البقرة) ، كأنهم يقولون : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا ، وتارة يستقبلون كذا؟ فكان الجواب عليهم منه تعالى ، قال : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (١٤٢) (البقرة) أى له الحكم والتصرف ، وقال : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة) ، فحيثما يوجهنا نتوجه ، والطاعة له فى امتثال أوامره ، ولو وجهنا فى كل يوم مرات إلى جهات متعددة لفعلنا. وقال : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) (البقرة) ، وفى ذلك الحديث عن عائشة فى أهل الكتاب قوله صلىاللهعليهوسلم : «إنهم لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى القبلة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام آمين».
* * *
١٩٥٥ ـ حقيقة نسخ القول بأن القبلة إلى أى اتجاه
إذا كان استقبال الكعبة أمرا من الله تعالى ، كقوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) (البقرة) ، فلما ذا كان قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (١١٥) (البقرة)؟ والجواب : أن البعض قال إن آية : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) ، نزلت كردّ على اليهود لما تساءلوا مستهزئين : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (١٤٢) (البقرة) ، ونزلت : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (١١٥) (البقرة) ، تعنى قبلة الله أينما تتوجهون شرقا أو غربا ، فما من ناحية تتوجهون إليها بصلواتكم إلا كان الله تعالى فى ذلك الوجه وتلك الناحية ، لأنه تعالى له المشارق والمغارب ولا يخلو منه مكان ، كما قال : (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) (٧) (المجادلة). وقيل : ثم نسخ ذلك بالفرض الذى فرضه تعالى بالتوجه إلى المسجد الحرام. ولا نرى أن الآية قد نسخت ، لأنها نزلت فى شىء آخر وهو صلاة السفر ، فيمكن للمسافر أن يصلى فى السفر لأى اتجاه ، وروى عن ابن عمر أنه كان يصلى وهو راكب راحلته ، إلى أى اتجاه تكون عليه ناقته ، فكذلك المسافر بالسيارة والقطار ، وبالمركب والطائرة ، والجندى داخل الدبابة ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يفعل ذلك ويتأوّل هذه الآية. وكذلك من تعمى عليه القبلة فلا يعرف شطرها ، فله أن يصلى فى أى اتجاه ، وصلاته ماضية. وكذلك من يصلى فى الغيم ، أو فى الظلام ، أو فى الخوف الشديد ، وفى المرض ، فصلاته جائزة لغير
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
