ثم بوفاة أخواتها الواحدة بعد الأخرى ، حتى صارت وحدها لا أنيس لها يخفّف عنها ، فرّق لها قلب النبىّ صلىاللهعليهوسلم وأنكر أن يؤذيها زوجها. وفى رواية لمسلم زاد على ما سبق قوله : «يريبنى ما يريبها» ، «وأنا أخاف أن تفتن فى دينها» ، يعنى أنها فى حالة الغيرة قد يقع منها فى حق زوجها ما لا يليق بها. وقد جاهر النبىّ صلىاللهعليهوسلم بإنكار هذه الزيجة ليمنع فى الحال ما يمكن أن يترتب عليها من أضرار فى المآل. وربما كان استنكاره تنبيها إلى استهجان الزواج بأكثر من واحدة ، وترسيخا لمعنى التوجيه الإلهى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (النساء ٣) ، (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء ١٢٩). ولقد انتقد المستشرقون والعلمانيون اختصاص فاطمة بهذا المنع من أن تكون لها ضرّة ، فلما ذا لم يكن ذلك فى اعتباره صلىاللهعليهوسلم وهو يتزوج على بنت أبى بكر ، وبنت عمر ، وعلى زوجاته الأخريات؟ ولما ذا لم ير أن الغيرة تضرّهن؟ ولما ذا لم يخش على دينهن من الافتتان؟! وقال هؤلاء : إن النبىّ صلىاللهعليهوسلم على العكس كان يستكثر من الزوجات ، وكانت لهن معه جولات وصولات ، ولم يراع فى حقهن ما راعاه فى حقّ فاطمة؟! وحاصل الجواب : أن زوجاته صلىاللهعليهوسلم كن يجدن المؤانسة منه شخصيا ، فكان يزيل وحشتهن ويلاطفهن ، ويطيّب خواطرهن ، ويحسن إليهن فيخفف من غلواء غيرتهن ، وأما فاطمة فلو ذهب عنها علىّ إلى غيرها ، فمن يتبقّى لها وقد فقدت الأم والأخوات؟ ولم تكن لها بنات يؤنسنها ، وكانت كثيرة المرض ، شديدة الحزن ، تعيش فى فقر عجيب وتتحمل ذلك رغم صحتها المتهافتة؟ والأهم من ذلك أنه ما كان يرضى أحدا أن تجتمع بنت رسول الله صلىاللهعليهوسلم وبنت عدو الله أبى جهل تحت سقف واحد ورجل واحد ، فهذا كثير على رسول الله صلىاللهعليهوسلم وعلى فاطمة! ناهيك عن أن فاعل ذلك هو علىّ بن أبى طالب ركن الدعوة الركين كما قيل ، وله المنزلة الكبرى من النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، حتى أنزله منه بمنزلة هارون من موسى كما قالوا ، فكيف يأتيه الأذى منه بالذات؟! ذلك إذن هو سبب اعتراض النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ولم يحدث أن حلل حراما ولا حرّم حلالا كما قالوا وادّعوا ، ولم يزن بميزانين ، ولا كال بمكيالين.
* * *
١٦٧٧ ـ لا ينكح المسلم زوجة أبيه
نكاح زوجة الأب منهىّ عنه فى اليهودية (تثنية الاشتراع ٢٢ / ٣٠) ، مثله مثل نكاح الأب لزوجة ابنه (سفر الأحبار ١٨ / ٧ ـ ١٥). وفى الجاهلية كان يجوز للابن أن يتزوج حليلة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ، فلما جاء الإسلام حرّمته الآية : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) (النساء : ٢٢) وروى ابن أبى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
