أنفر؟ قال : «نعم» ، فأنزل الله الآية : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور ٦١) ، والآية : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (التوبة ٩١) فكانتا أصلا فى سقوط التكليف عن العاجز ، فتارة يقوم العجزة بعمل مدنى خلف خطوط القتال ، وذلك فعل بدل فعل ، وتارة يدفعون بدلا ماليا ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة وبين العجز من جهة المال ، ونظيرهما قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (البقرة ٢٨٦) ، فلا يعفى إذن من النفير إلا المعذّرون ، وهم الذين يعرف عذرهم ، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج إلخ. وقد فهم المسلمون الأوائل ذلك فلم يكونوا يتخلفون عن الجهاد ، وفى الحديث : «وإذا استنفرتم فانفروا» ، فإذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من أقطار الإسلام ، وجب على كل الدول الإسلامية أن تنفر وتخرج للمساعدة ، وإذا عجز قطر إسلامى عن ردّ عدو غاز ، فعلى الأقطار المجاورة استنفار أهلها للمدافعة عن المهزوم ، فكما أن احتلال مدينة يستوجب استنفار شعب القطر كله ، فكذلك سقوط قطر فى يد العدو يستوجب استنفار أقطار المسلمين جميعها ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ، حتى إذا قامت بدفع العدو شعوب الأقطار الإسلامية المجاورة ، سقط الفرض عن شعوب أخرى إسلامية فى أقطار أبعد. ولو قارب العدو دارا من دور الإسلام ، وهدد دولة من دوله ، وإن لم يدخل الدار ولا أعلن الحرب على الدولة ، لزم أيضا على الجميع الخروج إليه ، لتحفظ الحوزة ، وتصان بيضة الإسلام ، ويخزى العدو ، وذلك من أصول الفكر الإسلامى ، ومن المبادئ الثابتة فى سياسة الدولة الإسلامية.
ومن النفر ما هو نافلة ، وهو أن يخرج المسلمون جماعة بعد جماعة ، ومن نفير الثبات كما فى الآية : إعداد المخابرات ، وإيفاد البعوث والوفود إلى بلاد العدو ، لرصد دفاعاته ومواطن قوته وضعفه ؛ والتبرع للقوات المسلحة زمن الحرب منصرف للزكاة له الأولوية ، والعاجز عن الجهاد بنفسه بوسعه أن يجاهد بماله ، بتجهيز الجيش ، ومن يجهّز مجاهدا فقد جاهد ، والجهاد يكون بالمال كما يكون بالنفس ، وفى الحديث : «جاهدوا بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» ، والجهاد باللسان يعنى بالكلمة ؛ وتوظيف الأقلام والإذاعات المسموعة والمرئية ، والسينما ، والمسرح ، والمدرسة ، والجامع ، فى خدمة التعبئة ـ من الجهاد ، وهذا وصف لأكمل ما يكون النفير والجهاد ؛ والجهاد بالمال واللسان صنو الجهاد بالنفس ، وفى الحديث : «من جهّز غازيا فقد غزا ، ومن خلفه فى أهله فقد غزا» ، يعنى من انفق على المقاتلين فهو مقاتل ، ومن أعال أهل المجاهدين فقد جاهد. والجهاد باللسان كالجهاد بالقلم ، والمقصود به الجهاد الإعلامى.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
