البعض إلى أن الجهاد تطوع فى السلم ، وأما فى الحرب فهو فرض. والقتال مكروه لأن فيه مشقة ، وإخراج مال ، ومفارقة وطن وأهل ، والتعرّض للأذى ، وأن تقطّع الأطراف ، وتذهب النفس ، فكانت الكراهية له لهذا السبب ، ووصفه تعالى فقال : «وهو كره لكم» لأننا نكره عليه. والمسلمون فى أول الأمر كرهوه ، لأن امتثاله فيه مشقة ، فلمّا عرفوا الثواب فيه هان فى جنبه مقاساة المشقات فأحبوه وطلبوه. ومثاله فى الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ، فيخاف حتى من خلع الضرس ، إلا أنه يرضخ ابتغاء للعافية ودواما للصحة ، وعسى أن يكره الجهاد لمشقته وهو خير وبركة ، لأن المجاهدين إذا غلبوا ظفروا وغنموا وأجروا ، ومن مات منهم مات شهيدا ، وإيثار الدعة فى النفرة ، وترك القتال عند داعى الحرب ، هما شرّ مستطير ، لأن تارك النفرة والقتال يغلب ويذلّ ويذهب أمره ، والأندلس مثال ، فلما ترك المسلمون فى الأندلس الجهاد ، وجبنوا عن القتال ، وأكثروا من الفرار ، استولى العدو على البلاد ، وأسر وقتل وسبى واسترق ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فذلك بما قدّمت أيدينا. وعموما فالملمات عند ما تقع ، فلا يجب أن نبتئس لها ، فلربّ أمر نكرهه وفيه نجاتنا ، ولربّ أمر نحبه وفيه عطبنا.
* * *
١٥٢٥ ـ لو لا القتال لاندحر الحق فى كل أمة
شرّع الله تعالى للمؤمنين والأنبياء أن يقاتلوا أعداءهم فقال : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (٤٠) (الحج) ، فلو لم يشرّع القتال للمؤمنين ، لاستولى أهل الشرك على بيوت الله ، وأزالوا مواضع العبادات ، وهو تعالى قد دفع بأن أوجب القتال ليتفرّغ أهل الدين للعبادة ، فالجهاد أمر متقدم فى الأمم ، وبه صلحت الشرائع ، واجتمعت المتعبّدات ، فكأنه تعالى قال : أذن بالقتال ، فليقاتل المؤمنون ، ثم قوّى هذا الأمر فيهم فقال : «لو لا دفع الله الناس» الآية ، أى لو لا القتال والجهاد لاندحر الحقّ فى كل أمّة ، ولما بقى الدين ، ولهدّمت كنائس وبيع وصلوات ؛ والكنائس والبيع للنصارى ، والبيع (بكسر الباء) هى المعابد ، مفردها بيعة ، وأما الصلوات فهى لليهود ، وهى معابدهم ، والصوامع جمع صومعة ، وهى أعلى الجبل أو المكان المرتفع يسكنه الراهب بقصد العزلة والانفراد ، وصوامع الرهبان هى صياصيهم ، والمساجد هى مواضع السجود ، والمقصود بها مساجد المسلمين أو جوامعهم ، وقدّمت كنائس وبيع أهل الذمة على المساجد لأنها الأقدم بناء.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
