الباب الرابع عشر
القرآن والفنون والصنائع والآداب والأخلاق
* * *
أولا : الآداب والفنون والصنائع
* * *
١٤٦١ ـ نحو نظرية للجمال فى القرآن
قال تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (٧) (السجدة) ، يعنى أنه تعالى أحكم خلق كل شىء ، وجاء به وفق إرادته لم يحد عنها ، فكان خلقه حسنا ، ويدل على الخالق الذى هو الله ، وأنه بالهيئة التى خلقه عليها كان على أحسن ما يكون ، وهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التى أريد لها ، لأنه متناسب مع بعضه البعض شكلا كما تقول نظريات الجمال الشكلى ، باعتبار أن الجمال هو ميزة الشيء الجميل ككل ، وهو خاصة صورية كما وصفها أرسطو ، وقال إنها الوحدة التى يتبدّى عليها الشيء الجميل على كثرة ما يحتويه من تفاصيل وعناصر ، فرغم أنها وحدة إلا أنها تجمع فى داخلها كل ضروب التنوّع والاختلاف ، ألّفت بينها هذه الوحدة فى كلّ منسجم ، والجمال إذن هو هذا الانسجام الحاصل والمتبدّى فى وحدتها ككل. وأما نظرية الجمال عند أفلاطون فإنها تقول بأن خاصة الجمال ليست خاصة صورية ولكنها ما وهبه الله للمخلوقات ونفخ فيها من روحه ، ومن ثم فالشىء الجميل هو الذى يشعّ بالحياة ، والوجه الحىّ يكون مشرقا ، والوجه الميت يكون منطفئا ، ونحن نصف المشرق بالجمال وأما الميت فلا نصفه بشيء. وأما نظرية الجمال فى القرآن فإنها تدخل القبح كنقيض للجمال ضمن التذوق الجمالى ، والجميل هو المعبّر وإن كان قبيحا ، طالما أنه قد أحسن التعبير عما قصد إليه ، والقبح قيمة جمالية ، وإن كانت سالبة مثلما الجمال قيمة جمالية موجبة. والجمال والقبح قطبا قيمة واحدة ، كالصواب والخطأ فى الأخلاق ، والحق والباطل فى المعرفة. وفى النظرية اليهودية ومن ثم المسيحية ، فإن القبح فى الوجود نقص فى الشكل عن الشكل الواجب للنوع ككل. وليس كذلك الأمر فى القرآن ، فالجميل له موضعه ، والقبيح له أيضا موضعه ، وكلاهما مطلوبان. فالقرد مثلا ليس حسن المنظر ، ولكنه متقن محكم. ولو أننا تصورنا أن للفيل مثل رأس الجمل ، وأن للأرنب مثل رأس الأسد ، وأن للإنسان مثل رأس الحمار ، فبحسب نظريات أرسطو وأفلاطون ، والنظرية اليهودية أو اليهودية النصرانية ، يكون ذلك تشويها فى خلقة أىّ من هذه المخلوقات ، ولا ينسجم معها ، ولا يناسبها. وأما بحسب القرآن ، فإن طول عنق
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
