للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وفى هذه الآية تنبيه إلى أن الصدور مكان المشاعر المكبوتة ، ولكنها لا تجد طريقها للتعبير من طريق اللسان ، فاللسان للمشاعر الظاهرة ، وأما المشاعر المكبوتة فتظهر فلتات من خلال الثرثرة والتشدق ، وعبّر القرآن عن ذلك بقصر التعبير عن البغضاء على الأفواه ، وهى حالة فوق حالة المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه ، ومن هذا المعنى نهيه صلىاللهعليهوسلم أن يشتحي الرجل فاهه فى عرض أخيه ، والاشتحاء هو أن يفتح فاهه ، يقال شحى الحمار أى فاه بالنهيق ، وجاءت الخيل شواح ، أى فاتحة أفواهها ، والشحو فى الحديث إشارة إلى معنى التشدّق فى الآية.
والكره ضد الحب ، وهو أقل من البغض ، فإذا اشتد الكره واستحكم تحوّل إلى بغض ، وإذا زاد البغض صار مقتا. والكره والكراهية من كره ، فهو كاره ، والشيء مكروه. وتقول الكره بالفتح وتقصد ما تكره عليه ، كقوله تعالى (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٨٣) (آل عمران) أى رغبة أو اضطرارا ، والمسلم يؤمن طوعا ، وغير المسلم قد يظهر الإيمان اضطرارا وخوفا كالمنافقين ، والإيمان على المؤمنين غير ثقيل ، ولكنه على غيرهم مستثقل وله وطأة وشدّة ، لأن التزام التكليف مشقة ، فمن آمن تحمّلها إخلاصا ، ومن لم يؤمن اضطر أن يألفها ويمرن عليها ، وإسلام المؤمن لذلك إسلام عبادة ، بينما إسلام الآخر إسلام دلالة ، كقوله تعالى : (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) (١١) (فصلت) فإتيانهما بكره هو إتيانهما بتسخير ، كما قال : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٤٠) (النحل) ، وأما الكره بالضم : فهو ما أكرهت نفسك عليه ، كقوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) (١٥) (الأحقاف) ، فالكره بالضمة المشقة ، وفى كل القرآن فإن لفظ الكره بالفتح ، إلا فى آية الأحقاف ، والآية الأخرى فى سورة البقرة ، وفيهما أن المشاعر فى الكره بالضم هى مشاعر قهر وكبت وغضب ، فالكره بالضم للمخبر ، بينما الكره بالفتح للمظهر ، وكلاهما من الكراهية. والكره بالضم للمشقة ، والكره بالفتح ما أكرهت عليه. وفى الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) (البقرة) ، فإن القتال هو الجهاد ، فكان كرها لأن فيه إخراج المال ، ومفارقة الأوطان والأهل ، والتعرّض بالجسد للقتل والجراح وقطع الأطراف ، فكانت الكراهية له لذلك ، ومثله الذى يتألم ويخاف مع ذلك أن يخلع ضرسه ، أو يبتر الجزء من جسمه المسبب للألم والذى يخشى منه على حياته. فمعنى الكره إذن : أن تأتى الشيء عن اضطرار. وربّ أمر نكرهه وفيه نجاتنا ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
