صورا يتحصّل لها بها علم عن أمور أخر قد مضت من حياة صاحبها وتتعلق بأحداث من حاضره يهتم بها أو يخشى عواقبها ، والله تعالى قد اختص الحلم بلغة كاللغات ، فيها التشبيهات والاستعارات ، ومنها ما يبيّن ويكشف ، ومنها ما يغمض ويلغز. ولغة الحلم إشارية ، فإذا رأى الحالم الغيم مثلا فلربما يشير ذلك إلى ما يراه من كدورات فى واقعه ، أو ما يتوقعه منها فى مستقبله ، ولربما يكون الغيم علما على المطر ، أو سابقة لانفراج وشيك ، وإنما التفسير تحدده بقية الحلم ، والحالة المزاجية للحالم ، وشخصيته ، وما يعانى فى حياته أو يطمح إليه فى لاحق أيامه. والله تعالى قد جعل من صفات النفس الإنسانية أن ترى تهاويم الحياة فى المنام واليقظة ، وأن تراها كما تحب ، وذلك ما يسميه الإسلاميون الرؤيا ، أو تراها كما تكره وهو ما يطلقون عليه اسم الحلم ، فالرؤيا اسم للمحبوب ، والحلم اسم للمكروه ، والمحبوب والمكروه كلاهما من صنع الله ، ومما اختص به تعالى الإنسان. وفى الحديث مما رواه أبو قتادة عن الرسول صلىاللهعليهوسلم قال : «الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان» أخرجه مسلم ، وإضافة الرؤيا إلى الله إضافة تشريف ، بخلاف المكروهة فإن إضافتها إلى الشيطان مجازا ، فلا فعل للشيطان فيها على الحقيقة ، فإنما الأحلام مصدرها اللاشعور ، وهو مخزون الرغبات الشريرة ، والحاجات اللامعقولة ، والأمانى والآمال المستحوذة ، وكل ذلك علم على الشيطان ، وفى الإسلام ، بل وفى كل الأديان فإن الله موجود فى الإنسان ويمثله الضمير أو وازع الخير ، وفى المصطلح العلمى هو الأنا الأعلى أو الأنا الأخلاقى ؛ وكذلك الشيطان مكانه فى الإنسان وازع الشر ، وله وسوسات ، وفى المصطلح العلمى هو اللاشعور ، سمى كذلك لأنه يفعل فعله فى الإنسان دون وعى منه ، متسترا بصور شتى. وفى الحديث عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى رواية أخرى : «الرؤيا الصالحة من الله ، والرؤيا السوء من الشيطان» ، وإضافة الصلاح والسوء للرؤيا يراد بها حسن ظاهرها أو سوء هذا الظاهر ، وقد ينصرف المعنى إلى حسن تأويلها أو سوء هذا التأويل. وفى الحديث عن أبى هريرة ، عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب ، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوة. والرؤيا ثلاثة : فرؤيا صالحة بشرى من الله ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدّث المرء نفسه ، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلّ ، ولا يحدّث بها الناس» أخرجه أبو داود. ومعنى «إذا اقترب الزمان» أى إذا أوغل وساءت الأحوال ، فالإيمان يكشف المستور ، ويرفع الحجاب عن الغيب ، فيرى المؤمن بنور الإيمان ، ويتوقع ما لا يكذبه قابل الأيام. وقوله : «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» هو كما يقول علم الأحلام : أن الإنسان الصادق فى حديثه ، ومع نفسه والناس ، صادق كذلك فى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
