الأنبياء ظهور المعجزات وهى الأفعال الخارقة. وقيل الآيات لله ، والمعجزات للأنبياء ، والكرامات للأولياء وأخيار الناس ، وكل ذلك مصدره الوحى أو الإلهام. والفرق فى ذلك أن المعجزة للنبىّ مأمور أن يظهرها بينما الواجب على الولىّ أن يستر كراماته ويخفيها. والنبىّ يحتج بمعجزته ويثبت بها أنه يوحى إليه ، وكرامة الولىّ يحتج بها على نفسه لتطمئن وتوقن ولا تضطرب ، والقرآن دليل المعجزة بالنسبة لمحمد صلىاللهعليهوسلم ؛ ودليلها عند مريم ، ولم تكن نبيّة ، أن قيل لها : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) (٢٥) (مريم) ، فالوحى إذن حقيقة علمية ، وليس فى القول به فى الإسلام وعند غير المسلمين أيما تثريب. وكذلك الإلهام الذى ورد فى سورة الشمس لا تمارى حقيقته ، وليس فى القرآن شىء من الوحى أو الإلهام يمكن أن يمارى فيه العلم ، أو يصادم نظرياته. واكتشاف فليمنج للبنسلين كان بالإلهام ولم يكن بالتدبير ، وكذلك خوارق الأطفال المعجزين. ويأتى الإلهام كالتنوير ، مثلما كان عند نيوتن ، عند ما صاح فجأة «وجدتها». وكان اكتشاف ديكارت للهندسة التحليلية ، وكيكول لفكرة الشكل الحلقى لجزىء البنزين ، وهنرى بوانكاريه لحساب التفاضيل والتكامل بتأثير الإلهام. وبعض الملاحدة الذين لا يؤمنون بالله لا يدرون من أين يأتيهم الإلهام ، وقال موتسار إنه ـ أى الإلهام ـ كالوحى. وأهل العلم يعرّفونه بأنه تفكير حدسى ، والمؤمنون ينسبونه إلى الله وهذا هو الفرق.
* * *
١٣٥٩ ـ لأنه خلق كل شىء لزم أن يعبده كل شىء
الناس فى أيامنا جعلوا لله شركاء ، بدعوى أنهم صاروا يخلقون كما يخلق الله ـ كهؤلاء العلماء الملاحدة الذين اشتركوا فى ميلاد النعجة «دوللى» ، والدين لا يتعارض مع العلم ، وللعلم أن يبلغ مداه فى مجاله ، ولكن القول بأنهم يخلقون مثل الله ، وأن الإنسان خالق ، مسألة تتجاوز العلم إلى الفلسفة ، وهنا يكون الجدال وليس الجدل ، والجدال فيه سفسطة ، ولكن الجدل قوامه المنطق والحق ، والقضية التبست على هؤلاء ، وتشابه الخلق عليهم ، فالله يخلق من عدم وبلا مثال ، وهؤلاء يخلقون بخلق الله ، فقوانين الخلق ، ومداد الخلق ، والعقول المفكّرة فى الخلق ، جميعها لله ، وفيهم يقول تعالى : (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) (١٦) (الرعد) ، و «لأنه خلق كل شىء فلزم أن يعبده كل شىء» ، والآية ردّ على هؤلاء القدرية الذين يزعمون أن بقدرة الإنسان أن يخلق كل شىء ، وهذا كذب وافتراء ، فالله غالب لكل شىء ، ويغلب فى مراده كل مريد ، وهو واحد ـ كان قبل كل شىء. ولو خلق هؤلاء النعجة دوللى ، فهل بوسعهم أن يخلقوا سماء كالسماء ، أو أرضا كالأرض؟ وإنما الخلق الحق لله إلزاما للحجة ، إن لم يقولوا ذلك وجهلوا من هو الله ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
