وقوله : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (٢٤) (الرعد) ، فالدار غدا داران : دار للتقيّ المطيع ، ودار للفاجر العاصى. والعقبى آخر كل شىء ، وعقبى الدار : هى الدار الآخرة ؛ وأما عاقبة الدار : فهى دار الجزاء وهى سوء الدار ، كقوله تعالى : (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٣٧) (القصص) ، ونقيض ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (٢٥) (الرعد) ، وسوء الدار هى جهنم ، وهى أيضا دار البوار ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (٢٨) (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ) (٢٩) (إبراهيم) ، والبوار : هو الهلاك ؛ والقرار : هو الإقامة ، وبئست الإقامة فى جهنم ، مقارنة بالإقامة فى الجنة ـ وهى الدار الآخرة للمؤمنين : (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٦٤) (العنكبوت) : أى دار الحياة الباقية التى لا تزول ولا موت فيها ، والحيوان : بمعنى الحياة ، ويقال لكل شىء حىّ أنه حيوان ، والدار الحيوان وعدها الله للمتّقين : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (٨٣) (القصص).
* * *
١٣١٢ ـ الجنة
الجنة فى القرآن لها دلالات ، بعضها يعنى أنها البستان كقوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ...) (٣٢) (الكهف) ، وقوله : (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) (١٥) (سبأ) ، وقوله : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ) (١٧) (القلم) ، وقوله : (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) (١٢) (نوح). وأكثر دلالات الجنة أنها دار الجزاء تكون بعد الموت ، وهذه هى الدلالة الاصطلاحية. وعند الصوفية الجنة ثلاث جنات : جنة الأفعال : وهى الجنة الصورية من جنس المطاعم اللذيذة والمشارب الهنية والمناكح البهية ، ثوابا للأعمال الصالحة ، وتسمى جنة الأعمال ، وجنّة النفس : فلأن الصالح فى هذا الاعتبار مادى ، فالجنة مادية فى مظهرها وإن كانت نفسية فى مخبرها ، وهى جنة الوراثة : وراثة الأخلاق الحاصلة بحسن متابعة النبىّ صلىاللهعليهوسلم وأهل التّقى والصلاح ، باعتبار الصالح هو الوارث للصالحين ، وصلاحه أخلاقى ، وسبب صلاحه كان صلاح من حوله كبيته ، وأهل جيرته ، وبلده ، فالصالح يتحقق به فى المكان جنة ، حيثما ظهر صلاحه وأثمرت دعواته ؛
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
