قيل : وتوفى رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ، غير أنه لا الآية بقيت ، ولا حكمها استمر ، فسقط الدليل على النسخ فيها. وأما آية : (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (المجادلة ١٢) فقد قيل إن آية : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة ١٣) قد نسختها ، فى حين أن الحكم الثانى لم ينسخ الحكم الأول وإنما بيّنة وفسّره. وأما آية : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) (البقرة ١٨٤) ، فقيل إن الآية : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة ١٨٥) قد نسختها ، وهذا غير صحيح ، لأنه فى الآية الأولى تقدّر «لا» فيقال «لا يطيقونه» ، والمعنى بذلك لا يصادم معنى الآية الثانية ، لأن الأولى فيها تخصيص ليس فى الثانية.
وقد قيل إن بعض الآيات بقيت تلاوتها مع أن حكمها منسوخ ، وذلك تلبيس على قارئ القرآن ، ومحال على الله أن يشكك عباده. واستمرار الآية فى القرآن دليل على سريان حكمها ، وفى الآية : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٠٩) (البقرة) ، قيل إن الآية : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٤١) (الحج) قد نسختها ، مع أن النص فى الأولى ينصرف إلى معنى يختلف عن المعنى الذى ينصرف إليه النص فى الثانية ، فالعفو والصفح فى الأولى باعتبار أمانى أهل الكتاب ، فلما أسفرت الحرب عن نفسها وبان الظلم وأخرج المسلمون من ديارهم صار القتال واجبا ومشروعا ، فلا تناقض بين النصّين ولكنهما متكاملان.
وفى الآية : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ) (البقرة ١٨٧) أن الجزء الأول فيه حظر فنسخ بالجزء الثانى الذى فيه الإباحة ، والحق أنه لا نسخ ، لأن ما كان عليه الحال فى السابق لم يكن فيه تشريع ، فكان الناس يسرفون على أنفسهم ، فنزل التشريع بالتخفيف ، فهو لم ينسخ أمرا إلهيا سابقا.
وفى الآيات : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
