و «الخير» هو الكلمة الطيبة يقولها لأولاده كما فعل يعقوب مع بنيه عند الموت ؛ والخير أيضا هو المال بأى قدر كان ، وليس كما حدد الفقهاء مقداره. ثم إن الوصية واجبة كذلك على من له أو عليه ديون ، ولذلك نبّه الله تعالى أنه لا ميراث إلا بعد الوصية ، والدين خلاف الوصية ، كقوله : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) (النساء ١١) ، والوصية هى التى تنبّه إلى الدين ، وتنبه إلى الميراث جميعه ، ومن ثم كان إيجابها فى الحديث : «ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه ، يبيت ليلتين أو ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده». وليس صحيحا إن النبىّ صلىاللهعليهوسلم لم يوص ، فقد أوصى قبل أن يموت ، ولم تكن الوصية فى مال أو ديون ولكنها فيما يخص المسلمين ، وعلى نهجه سار أبو بكر وعمر. والفقهاء مهتمون بالوصية فى المال ، أى فى الشق المادى من الخير ، دون الشق المعنوى ، وليس الخير كما فسّروه هو المال فقط. ولكل ما سبق تسبق الوصية الفرائض والمواريث ، وحكاية أنه لا يجوز لأحد أن يوصى بأكثر من الثلث ، كانت من أجل أن يترك الموصى ورثته «لا يتكففون الناس» كما فى الحديث ، مخافة أن يظلمهم بوصيته ويجور عليهم. وليس صحيحا أن الآية : (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (٧) (النساء) نسخت الآية : (الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) وإنما تفسّرها ، والأقربون أعم ممن يرث ومن لا يرث ، فرفع حكم من يرث بما عين له ، وبقى الآخر على ما دلت عليه آية الأقربين. وفى الوصية يمكن للموصى أن ينبّه إلى أوضاع معينة من أحوال ورثته تستوجب أن يزيد بعضهم على ما يرثه وجوبا ، فهذا من حقه ، وهو معنى الإنصاف ، وهو أن لا يترك بعض الورثة يتكففون بينما آخرون يزدادون غنى بالميراث ، والعدل فى الإسلام استوجب الوصية ، والموصى أعرف الناس باستحقاق ورثته أو عدم استحقاقهم ، فهل نصدق محدّث واحد هو عمرو بن خارجة فيما نقل من الحديث : «إن الله قد أعطى كل ذى حقّ حقّه فلا وصية لوارث» ، ونكذّب القرآن ، والقرآن لا تنسخه السنة ولكنها تشرحه وتبيّنه ، وقد يرى الموصى أن يخصّ والديه أو أيا من أقربائه بشيء استثناء لظروف خاصة ، كأن تكون الوالدة على غير الإسلام ولن ترثه ، فيوصى لها ، فلما ذا يمنع من ذلك؟ ولما ذا ينصرف الذهن إلى أن الوصية لا تكون إلا فى المال؟ ولما ذا لا تكون شروطا يفرضها على ابنه مثلا أن يأوي أمه إليه ولا يعهد بها إلى بيت مسنين ، فإن فعل فيسقط حقه فى أن يرثه؟ ولما ذا لا يشترط على ورثته أن لا يبيعوا بيت العائلة ، وأن يتركوه مشاعا بينهم ، يتعهدونه وتأوى إليه أيما ابنة تطلّق ، أو قريب أخنى عليه الزمن؟ وما المانع أن يرث الورثة عن المورث بالوصية ، فإن لم يوص فبالميراث؟ وما ذا يمنع أن يرثوا بالوصية ما بقى من الميراث؟ وقد أكدت الآية على الوصية
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
