فى القرآن قوله تعالى : (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) (البقرة ٢٨٢) ، وقوله : (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة ٢٨٣) ، فأمر الشاهد ألّا يأبى إذا دعى إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعى لأدائها ، ولا يقصّر عن أدائها إلى أن تطلب منه ، فيضيع الحق ، ونهى الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة ، وهو نهىّ على الوجوب لأنه توعد كاتمها ، فعلى الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ، ويخبر حيثما استخبر. وخصّ إثم الكتمان بالقلب لأنه من أفعاله ، والقلب هو الآمر للسان وسيلة أداء الشهادة ، والله تعالى يقول فى وجوب أداء الشهادة : (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق ٢) ، وقال : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٨٦) (الزخرف ٨٦) ، والنبىّ صلىاللهعليهوسلم يقول : «خير الشهداء الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها» ، إلا أن تكون شهادة زور ، وفيها يقول صلىاللهعليهوسلم : «إن خيركم قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .. ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون» ، وفى رواية أخرى قال : «... ثم يفشو الكذب وشهادة الزور» أخرجه الشيخان.
والشهادة بخلاف الرواية ، كاختلاف الحكم عن الفتوى ؛ والرواية هى ما تثبت بها الأحكام الشرعية العامة ، وأما الشهادة فهى ما يفصل بين المتخاصمين فى حوادث بعينها ، ويشترط لها العدد فى الشهود ، كما تشترط فيهم الذكورية ، وليست كذلك الرواية.
وشروط الشهادة : الوضوح والصراحة ، وتكون بلفظ مثل : أشهد ، وأعرف ، وأعلم ، وأنا على يقين ـ وما إلى ذلك. وتردّ شهادة الشهود باختلافهم وعدم تواردهم على الشيء الواحد. ولا تجوز شهادة الشاهد إلا بما علمه ، ويدرك العلم بالرؤية ، أو السماع ، أو بهما معا ، وبغير ذلك من وسائل الإدراك. وما يقع فى الرؤية : كالغصب والإتلاف ، والزنا ، وشرب الخمر ، والعيوب فى المبيع ؛ وما يقع فى السماع : كالقذف ؛ وما يعلم بالاستفاضة وتصح الشهادة به : كالنسب ، والولادة ، والنكاح ، والملك المطلق ، والموت ، والولاية ، والعزل ، ولا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه الشاهد من عدد كبير فيحصل له العلم به. ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شرائطه ، ومن شهد بالقتل فلا بد من وصفه ، ومن شهد بالزنا فلا بد من توصيف الزانى والزانية ، والمكان ، وكذلك فى كل فعل. ولا تكون الشهادة على النفى المحض ، لأن الشاهد يجب أن يكون عالما بما يشهد به ، فمن شهد بأن فلانا لا يمكن أن يستدين من فلان ، بطلت شهادته ، لأنه يجوز أن يستدين منه دون أن يعلم أحد بذلك ، ويستثنى من ذلك الشهادة بالإعسار ، بشرط معرفة الشاهد بأحوال المعسر. ولا بد أن تقوم الشهادة على العلم واليقين وليس على الظن ، كقوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء ٣٦) ، وفى الآية نهى عن أن تقول رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم ، وأن تشهد زورا ، وأن تتبع الحدس والظنون ، وأصل
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
