الحاكم العدل على نفسه وخاصته أولا ، ثم يستفيض حينئذ فى الناس ، والآية من عموم القرآن ، وإذا ثبت أن البيع عام ، فهو مخصص بما نهى عنه ومنع العقد عليه ، كالخمر وغيرها مما هو ثابت فى السنّة وبالإجماع. وهى أيضا من مجمل القرآن ويفسّرها المحلّل والمحرّم من البيع ، وهذا فرق ما بين العموم والمجمل ، فالعموم يدل على إباحة البيوع فى الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل ، والمجمل لا يدل على إباحتها فى التفصيل حتى يقترن بها بيان. وأركان البيع أربعة : البائع ، والمبتاع ، والثمن ، والمثمّن. والبيع : قبول وإيجاب ، ويقع بالصريح والكتابة. وبيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصحّ البيع.
* * *
٢٢٥٠ ـ مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل
يؤخذ ذلك من الآية : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (١٩٨) (البقرة) ، ويشمل الفضل التجارة وأنواع التكسّب فى مواسم الحج وغيرها. وكانت أسواق العرب : عكاظ ، ومجنّة ، وذا المجاز ، فلما جاء الإسلام ، فكأنهم تأثمّوا التجارة ، فجاءت الآية : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) (١٠) (الجمعة) تبيح التجارة ، ونزلت الآية : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) (النساء ٢٩) فقيّدت التجارة المباحة بالتراضى ، وفى الحديث عنه صلىاللهعليهوسلم قال : «إنما البيع عن تراض» ، وقال : «التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدقها». وقد تنبأ النبىّ صلىاللهعليهوسلم بزمان لا يراعى فيه الحلال والحرام فقال : «يأتى على الناس زمان لا يبالى المرء ما أخذ منه : أمن الحلال أم من الحرام».
* * *
٢٢٥١ ـ من يترك الصلاة من أجل تجارة أو لهو
قد تذم التجارة ـ وإن كانت ممدوحة ـ إذا قدّمت على ما يجب تقديمه ، والنبىّ صلىاللهعليهوسلم انفضّ الناس من حوله فى خطبة الجمعة لمّا سمعوا بالتجارة القادمة من الشام ، حتى أنه لم يبق معه إلا أربعة عشر من أصحابه ، فنزلت الآية : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١) (الجمعة) ، وخروجهم إلى التجارة اعتبر لهوا ، لأنه ألهاهم عن الصلاة ، فغلظ وكبر ، ونزل فيه القرآن تهجينا حتى أطلق عليه اسم اللهو ، وكانوا إذا سمعوا طبلا ومزامير ، تركوا المسجد وخرجوا يستطلعون الأمر ، واللهو مذموم لهذا السبب ، ولأنه باطل ويصرف عن الحق ، والمؤمنون حقا هم الذين لا تلهيهم التجارة ولا اللهو عن ذكر الله ، كقوله تعالى : (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
