أو حتى سنة ١٢٢٠ ق. م ، فهل يتضاعف السبعون إلى هذا الرقم المهول خلال عشرة أجيال ، أو حتى خمسة عشر!! والأمر الثانى : أن القصة وقد جرت فى أرض جاسان أو جاشان ـ محافظة الشرقية ـ يصدق فيها ما ذكر من أن الفراعنة الأشوريين الذين حكموا من بعد وفاة يوسف ، أذلوا العبرانيين لمّا رأوهم يتكاثرون ، واستخدموهم كعمال سخرة ، يعنتوهم بالأثقال ، فبنوا لهم مدينتى فيتوم ورعمسيس ، بالطوب اللبن من طمى النيل ، والمدينتان تقعان فى شرق الدلتا ، يعنى حيث كانت مملكة الهكسوس. ورعمسيس هى تانيس ، ومن رعمسيس كان خروج موسى من بعد ، وتانيس كانت أفاريس عاصمة الهكسوس ، وفى تانيس دفن شيشنق الذى تزوج ابنته سليمان ، ودفن منبتاح وآخرون ، وليس فيهم تحتمس الثالث ولا أمنوفيس الثانى وهما المرشحان زورا وجهلا لحكاية الخروج. والمسألة إذن كلها تكهنات وأهواء وأغراض. والحقيقة هى ما ذكره القرآن وأولاه الاهتمام ، وقصة القرآن برمتها مختلفة فى تفاصيلها اختلافا كاملا عن قصة التوراة ، فيوسف فى القرآن : صغير عند ما دلّاه إخوته فى البئر ، بينما هو فى التوراة تصفه امرأة رئيس الشرطة فتقول إنه رجل ؛ ورواية الذئب فى القرآن ، والدم على القميص جديدة تماما ؛ والذى اشتراه من مصر كما جاء فى القرآن قام بتربيته واشتد عوده عنده ، وعندئذ راودته زوجته ، ولم يرد أنه خصى كما فى التوراة ، وورد أن يوسف استعاذ بالله من المرأة ، وأنهما استبقا الباب فقدّت قميصه من دبر ، وكان زوجها عند الباب فروت كذبا أن يوسف حاول الاعتداء عليها ، وأدرك الزوج براءة يوسف ، وكلها تفاصيل جديدة ؛ ومنها مثلا حكاية النسوة واجتماعهن وتقطيعهن لأيديهن لدى رؤيته ، وكل ذلك يبين بجلاء تقوى يوسف ، فكان يوسف وأبوه فى كل ما جاء عنهما فى القرآن آيتين من آيات العظمة فى الأخلاق والحكمة ، وذلك عكس ما فى التوراة تماما!! والقصة كلها دروس فى الحكمة والأخلاق ، وتفاصيلها غاية فى الحبكة ، وأسلوبها رفيع وراق وشديد البلاغة ، وطابعها الإيمان الشديد ، والموعظة ظاهرة فيها ، وتنتهى بالدعاء لله والحمد له والثناء عليه ، والتنبيه إلى أن هذه القصص فى القرآن إن هى إلّا للعبرة ولتقوية إيمان المؤمنين. فشتّان بين رواية التوراة ورواية القرآن ، والفرق بينهما أن سفر التكوين كتبه مؤرخون متتابعون ، ولم يعوا الدرس : أن المراد بهذه الكتب المقدّسة الدعوة إلى الله ، فكان اهتمامهم إبراز إسرائيل كشعب حامل للوعود ، والتأكيد على العهد كضمانة للوعد ، واختيار إسرائيل كشعب الله ، وأما اهتمام القرآن فكان التنبيه إلى آيات الله ، وسبيله التى يدعو إليها هى التقوى ، والدرس المستفاد منها أن النصر بيد الله يؤتيه عباده كلما استيأسوا ، وأن القرآن هو تصديق لما سبقه ، وتفصيل له ، وهدى ورحمة لمن يؤمنون. والحمد والمنة لله ، وهو المستعان.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
