والأوفى ، وهى اللغة الأكثر تأدية للمعانى التى تقوم بالنفوس ، ولهذا أنزل بها أشرف الكتب وهو القرآن ، بأشرف اللغات ، وعلى أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة وهو جبريل ، وكان ذلك فى أشرف بقاع الأرض مكة ؛ وابتدأ نزوله فى أشرف شهور السنة رمضان ، فكمل من كل الوجوه. وفى سورة الرعد يأتى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا) (٣٧) ، أى أنزلنا القرآن محكما معرّبا : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤٢) (فصلت). ويأتى فى سورة طه : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) (١١٣) ، فلما كان يوم المعاد والجزاء واقعا لا محالة ، أنزل الله القرآن عربيا للعرب أصلا ، متضمنا الكثير من الوعيد والنذير ، لعلهم يعقلون ما فيه ، ويتدبرونه ، ويتذكرونه فيتقون. ويأتى فى سورة الزمر : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٢٨) ، وأمثلة القرآن يضربها الله تعالى للناس ، تبيانا لكل شىء ، ومن باب تشبيه المجرّد بالمحسوس ، وجاء القرآن بالعربية التى لا لبس فيها ولا اعوجاج ولا انحراف ، حتى تكون مراعاته فى متناول مفهوم الجميع. وفى سورة فصلت قال تعالى : (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣) ، أى بيّنت معانيه ، وأحكمت أحكامه ، وكانت لغته عربية لتبيّن وتوضح. وقال فى سورة الشورى : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (٧) ، أى جعل الله لغته العربية الجلية ليكون الإنذار بها لأمّ القرى وما حولها ، وهى مكة وأرباضها وسائر البلاد ، جنوبها وشمالها ، وشرقها وغربها ، ينبّه إلى يوم القيامة الذى يجمع فيه الأولون والآخرون. وهذه إذن أسباب النزول بالعربية ، لأنها لغة بيان ، فيكون فهم الناس كافة لمعانى القرآن فيتدبرونه.
* * *
١٢٥. لغة القرآن لغة قريش
اللغة العربية هى لغة القرآن ، وكان نزول القرآن بها ضمانا إلهيا ببقاء اللغة العربية ، كقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٩) (الحجر). وكغيرها من اللغات مرت اللغة العربية بأطوار ، ولم تكن فى مراحلها الأولى على الصورة التى عليها الآن ، وكانت لها لهجات مثلما لها لهجات الآن ، باختلاف الشعوب والقبائل العربية ، وإختلاف الحواضر والبوادى ، ومن ذلك قديما نطق اللام بالميم ، ومنه حديثا نطق السين شينا ، وكانوا قديما ـ وما يزالون ـ ينطقون الكاف شينا ، كقولهم عيناش بدلا من عيناك. وكانت للكلمات
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
