استفهام عن هيئة الإحياء ، لا عن الإحياء نفسه ، فالإحياء متقرر ، إلا أن الله تعالى جعل سؤاله أنه لم يسلّم جدلا بالإحياء ، فقال له «أو لم تؤمن؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبى» ، فعلّل سؤاله بالطمأنينة وليس بالشك. وقال ابن عباس : هذه أرجى آية فى القرآن : لأن إبراهيم بها انشرح صدره بالطمأنينة لمّا عرف إجابة سؤاله ، وترسّخ إيمانه. وفى هذه القصة جاء عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قوله : «نحن أحق بالشّك من إبراهيم ، إذ قال ربّ أرنى كيف تحيى الموتى؟ قال : أو لم تؤمن؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبى» ، فلو كان إبراهيم شاكا لكان الرسول صلىاللهعليهوسلم أولى بالشك منه ، والرسول صلىاللهعليهوسلم لم يشك ، وإبراهيم أحرى به كذلك أن لا يشك ، وحديثه صلىاللهعليهوسلم نفى للشك عند إبراهيم ، وسؤال إبراهيم إذن كان من باب الإيمان ، وبتعبير الرسول صلىاللهعليهوسلم أن إبراهيم كان «محصن الإيمان» ، وأما الشك : فهو التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وما كان حال إبراهيم من هذا النوع ، وما كانت سيرته إلا سيرة إنسان مؤمن شديد الإيمان ، وقد امتحن بالتحريف فما ارتد ، والشك مستبعد فى حق من تثبت قدماه فى الإيمان ، فكيف به لو كان نبيا كإبراهيم؟ وإنما حال إبراهيم هو حال «الباحث عن الحقيقة» ، وطلبه من ربّه كان المعاينة ، فقال : أرنى كيف تحيى الموتى؟ والنفوس مجبولة على أن تطلب رؤية ما تخبر به ، وفى الحديث : «ليس الخبر كالمعاينة» ، وذلك ما تمنّى إبراهيم لو يراه ، فلم يرد رؤية بالقلب ، فالقلب كان عامرا بالإيمان ، ولكنها لرؤية التى طلبها بالعين ، وعندئذ لو كان إيمانه قيراطا فإنه سيصبح قيراطين ، وإذن فالذى كان عند إبراهيم هو «شك الفلاسفة» وليس مجرد الشك ، وشكّ الفلاسفة يزداد به إيمانهم ، وعبّر عنه إبراهيم بقوله : «ليطمئن قلبى» ، بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا ، والطمأنينة التى ينشدها كانت أن يسكن فكره فى الشيء المعتقد ، والتفكير فى الإحياء فيه عبر وعظات ودروس ، وكان ما يشاهده إبراهيم فى الدنيا كيفية تفريق أجزاء المخلوقات عند الموت ، ولكنه لم يعاينها فى تجمعها فأراد أن يطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع ، فأمر لذلك أن يأخذ أربعة من الطير من مختلف الأصناف ، وقطّعها قطعا صغيرة ، وخلطها إلى بعضها البعض ، ثم وزّعها أجزاء على قمم الجبال ، ثم أمرها أن تجتمع بإذن الله ، فانصاعت للأمر ، وتمت مشاهدته لما تمنى ، ولذا ختم الله تعالى القصة بالتأكيد على إبراهيم ، يقول : (وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) : أى أنه تعالى عزيز لا يغلبه غالب ، ولا يقدر عليه قادر ، وما شاء يكون بلا مانع ، وهو القاهر ، والحكيم فى كل ما يفعل ويقول ، وفى شرعه وقدره سبحانه.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
