وتنويها بقدرة الله عليه. وكما نرى فإن «الذى مرّ على القرية الخاوية» لمّا رأى حالها وكيف هى ساقطة على سقفها ، ومتهاوية الحيطان ، وخالية من الناس ، والبيوت مع ذلك قائمة ، تساءل وكيف يمكن أن تعمر هذه بعد خرابها؟ وكأنه وهو الواقف المعتبر على قريته التى عهد فيها أهله وأحباءه ، يتلهف على أن يعرف ما يمكن أن يئول إليه أمرها ، وما إذا كان من الممكن أن يبعثوا بعد الموت ، فضرب الله له المثل فى نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، وقوله شك لا ريب فيه فى قدرة الله على الإحياء والبعث ، فلذلك ضرب له المثل فى نفسه ، وأماته مائة عام. والقصة بها شبه من قصة أصحاب الكهف ، ولكنها تختلف عنها فى المغزى والدرس والمحتوى ، وأصحاب الكهف أصابهم السبات ثم بعثهم الله تعالى ، وأمّا «الذى مرّ على القرية الخاوية» فأماته عن حق ثم بعثه ، فلمّا سئل كما سئل أصحاب الكهف : كم لبثت؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ، قاله مما فى ظنه ، فلم يكذب فيما أخبر به. و «الذى مرّ على القرية الخاوية». لم يكن نبيّا كما يقول المفسرون ، وإلا فكيف سيفسّر لقومه غيابه مائة سنة؟ وعندنا أنه من أولياء الله ، ومن النمط المفكر وليس من النمط المتعبّد ، والأوّل كثير السؤال مثل إبراهيم ، والثانى كثير العبادة ولا يطرأ الشك على قلبه أو عقله من قريب أو بعيد ، مثل نبيّنا صلىاللهعليهوسلم. وقيل : كان طعام «الذى مرّ على القرية الخاوية» من التين ، وشرابه الماء ، ولم يتسنّه الطعام ولا الشراب ، أى لم تغيّرهما السنون المائة ، ولم يتغير طعمهما ولا رائحتهما ، من أسن الماء إذا تغيّر. وقال وهب بن منبه : إن حماره صار عظاما نخرة ، فأحياه الله جزءا جزءا ، ليريه كيف يكون البعث ، وليعاينه بنفسه فى غيره ، لأنه لم يعاينه فى نفسه ، فأولا وصلت العظام ببعضها البعض ، ثم كسيت لحما حتى كمل الحمار ، ثم كان أمر الله فقام الحمار ينهق. وقيل : بل إنه عاين الإحياء فى نفسه ، وكانت العظام هى عظام نفسه ، فأحياه الله أولا ، واستكمل رأسه ولم يستكمل جسمه ، فكانت بقية جسمه عظاما ، فأراه كيف تكسى باللحم ويكتمل له الشكل الآدمى ، فكان شابا كما كان منذ مائة عام ، فجعله آية للناس ، وبحث عن أهله فوجد أبناءه ، ولكنهم كانوا شيوخا. والمفسرون يكادون يجمعون على أن هذا «الذى مرّ على القرية الخاوية» هو عزيز الذى هو عزرا فى التوراة ، واليهود يعتبرونه وليّا وينزلونه منزلة أكبر من منزلة موسى ، ويلقبونه بالكاهن ، وبالكاتب ، ويدينون له بالفضل كل الفضل ، لأنه الذى كتب التوراة وعلّمها الأوائل ، ونشرها بين اليهود بالخط الأشورى أو الحروف الآرامية المربعة ، ولم يدّع عزير أو عزرا أنه يكتب التوراة ، ولكنه كان مثل كل مؤرخى اليهود ، يحاول أن يصنع تاريخا لبنى إسرائيل فى المنطقة ، ولم تكن دعوته لله وإنما لشعب إسرائيل ، وذلك ما
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
