اليهودى صاحب كتاب : «ما ذا اقتبس محمد من اليهودية؟» ونولدكه النصرانى ، وشفالى ، وهيرشفيلد ، وهوروفيتس ، وآرثر جيفرى ، وآخرون كثيرون ، قالوا جميعا إن كلمة فرقان العربية الواردة فى القرآن هى نفسها كلمة «فرقانا» السريانية ، واستخدمها محمد فى القرآن بنفس المعنى المستخدمة فيه الكلمة المقابلة فى العبرية ، فكأنه صلىاللهعليهوسلم كان مطّلعا على اللغتين السريانية والعبرية ، وضليعا فى مصطلحاتهما الدينية!!
ونسأل : ولما ذا يلجأ إلى المصطلحات غير العربية ، ويحاول تطويعها للّسان العربى وكلمة فرقان العربية تغنيه عن ذلك ، وكانت معروفة فى اللسان العربى قبل نزول القرآن؟ وفرقان من فرق والمصدر فرقان ، بمعنى فصّل وميّز أحدهما عن الآخر ؛ نقول فرق بين الخصوم ، أى حكم بينهم وفصل. وفى القرآن يأتى منها ستة عشر اشتقاقا ، كقوله تعالى : (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) (٤) (آل عمران) ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (١) (الفرقان) فسمّى الله تعالى القرآن فرقانا ، بما يحوى من حجج وبيّنات ، ودلائل واضحات ، وبراهين قاطعات. ومرة تأتى لفظة فرقان بالإضافة ، كقوله : (وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) (٤١) (الأنفال) ، ويوم الفرقان هو يوم بدر ، فرق الله فيه بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وهو أول مشهد شهده الرسول صلىاللهعليهوسلم ، وكان ذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. ومرة تأتى فرقان كوعد للمؤمنين ، كقوله : (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (٢٩) (الأنفال) أى عرفانا ، تفرقون به بين الحق والباطل. ومرة تأتى كدعاء ، كقوله تعالى : (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (٢٥) (المائدة) يعنى اقض ، وافتح بيننا وبينهم ، كما قال الشاعر :
|
يا رب فافرق بينه وبينى |
|
أشد ما فرقت بين اثنين |
ومرة تأتى كوصف للحال ، كقوله : (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (٩٤) (طه) أى أشعت الفرقة فيهم ، وكقوله : (فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) (١٥٩) (الأنعام) ، بمعنى فارقوه ، وصاروا فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات ؛ وقوله : (فَالْفارِقاتِ فَرْقاً) (٤) (المرسلات) تفرق بين الحق والباطل ، والهدى والغى ، والحلال والحرام. وأمثال هذه الاشتقاقات تتكرر اثنتين وسبعين مرة. وأما كلمة الفرقان نفسها فتأتى سبع مرات ، مرتين فيما أنزل الله على موسى وهارون ، فى قوله تعالى : (وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (٥٣) (البقرة) ، وقوله : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٨) (الأنبياء) ، فالكتاب هو التوراة ، والفرقان هو المعرفة بالتمييز. وفى كل هذه الاستخدامات فى القرآن ، يأتى المعنى المشترك فيها جميعا هو «التفرقة بين الحق والباطل» ؛
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
