إذن لم يكذب ، وإنما يحاج بالمنطق. وجواب إبراهيم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) هو نفسه سؤال يلزم بلفظ الخبر : لم ينكرون أن يكون قد فعله كبيرهم؟ أى من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا.
* * *
٧٤٨. إبراهيم مؤسس الفتوة
كان إبراهيم عند ما كسر الأصنام «فتى» كما وصفوه : (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (٦٠) (الأنبياء) ـ يعنى شابا حدثا ، والحدث من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا ، ورغم حداثة سنّه فقد اتّسمت فعلته بالجرأة الشديدة ، وكانت له حجج مفحمة ، ومنطق راجح يدل على أن عمره العقلى أكبر من عمره الزمنى ، وأنه ناضج فكريا نضوجا ليس لأترابه ، وله عقلية «الباحث عن الحقيقة» ، وشخصية «الفيلسوف» الراغب فى المعرفة ، واتصفت ردوده بالحدّة شأن ردود الشباب ، كقوله : (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (لأنبياء ٦٧). وأهل الإسلام بنوا على وصف إبراهيم «بالفتى» مذهبا يقوم على نفس سلوكياته وأخلاقه وطريقة تفكيره ، أطلقوا عليه اسم «الفتوة» ، وكان انتشار هذا المذهب ، وقيام فرق الفتوة خصوصا فى العصر العباسى. وبمفهوم هذا المذهب فإن الفتوة هى الإيمان والهداية ، وهما ما كان عليه «الفتية أصحاب الكهف» ، قال فيهم ربّهم : (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) (١٣) (الكهف) ، أى كانوا أحداثا مؤمنين كإبراهيم. والأصنام التى كسرها إبراهيم نوعان : الأصنام الحسيّة التى كانوا يتعبّدون لها ، والأصنام النفسية المعنوية التى كانت فى قلوبهم اعتقادات خاطئة ، وأخلاقيات رديئة ، وأفكارا متخلّفة. والفتوة لذلك لها شقان ، الأول : الفتوة الفكرية : وهى الخروج على العرف فيما يخالف العقل ، والجرأة فى الحق ؛ والثانى : الفتوة السلوكية : وهى الانتصار للضعفاء ، ونجدة الملهوف ، وإنصاف المظلومين ، مما يعرف فى الإسلام باسم «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر». وإبراهيم هو المؤسس الحقيقى لهذا المذهب والمنهج معا ، وكان من «الفتيان السالكين» وقد أعلن الحرب ضد الأصنام : أصنام الهوى والشيطان والدنيا والعجب ، وصنم كل إنسان نفسه ، فمن خالف هواه فهو «فتى» على الحقيقة ، وهو «إبراهيمى النزعة» ، و «حنيفى العقيدة» ؛ و «الحنيفية» هى الأساس العقائدى لنظام الفتيان ، والحنيفية تعنى الميل عن الباطل إلى الحق ، مع التسامح فى كل الأحيان ، ولذا يؤثرون تسميتها «بالحنيفية السمحاء» ، أى غير المتزمتة. وأى شباب يحكم لهم بالفتوة فإننا نعنى أنهم «مؤمنون بلا واسطة» كما كان إيمان إبراهيم ، ولا ينبغى أن نظن أن الفتوة هى شكل من أشكال مذهب الربوبيةdeism الذى يقول أن معرفة الله ممكنة
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
