فى الدنيا ، ولهم مكر وأى مكر ، والقرآن يصفه بأنه المكر الكبّار ، بالتشديد للمبالغة ، ولقد حرّضوا سفلتهم على قتل نوح ، وعزّروا الناس بما أوتوا من الدنيا من «الولد والمال والسلطان» ، وهذه الثلاث هى مفاتن المستقويين ، فلو لم يكونوا على الحق ، فلما ذا أعطوا الدنيا عن سعة؟ ولما ذا يرسل الله بشرا ليهديهم ولا يرسل ملائكة ، لو لم يكن نوح يطمع أن يسود ، وأن يكون متبوعا وهم له تبع ، وقالوا لم يأت فيما عرفوا من التواريخ مثل دعوته. ونوح حاسب نفسه ، فمع مرور نحو ستمائة سنة ، حقيقة أو مجازا ـ فالدعوات لا تحسب بالأيام والسنين ، وإنما بنتائجها وتحصيلها ـ ولم تكن لدعوته الثمرة المرجوة ، فلم يكن أمامه إلا أن يدعو على من عوّقوا الدعوة وأفسدوها ، فقال : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٢٧) (نوح) ، ولم يدع عليهم إلا بعد أن جاءه من ربّه : (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) (هود) ، فأجاب الله دعوته وأغرق أمّته ، وهذا هو الفرق بين نوح ونبيّنا صلىاللهعليهوسلم ، فنوح دعا على الأمة بأسرها ، ونبيّنا خصّ بالدعاء أبا جهل وامرأته ، وعتبة وشيبة ، وأصحابهم. والديّار فى دعاء نوح : هو كل من يسكن الديار من قومه ، أصله من الدار ، تقول : ما بالدار ديّار ، أى أحد ، والديّار هو الساكن أو صاحب الدار. فلما دعا عليهم دعا بالنقيض لنفسه وللمؤمنين : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٢٨) (نوح) ، وبيت نوح هو مسجده ومصلّاه ، والبيت بمعنى الدّين والدخول فيه ، (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (٤٠) (هود) ، والتبار : هو الهلاك والخسران ، دعا بهما للكافرين ، كما دعا لنفسه وللمؤمنين بأحسن الدعاء ، قال : (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) (٣٠) (المؤمنون) ، «والمنزل المبارك» هو الهبوط والنزول والموضع يوصف بالبركة ؛ «وبأعيننا» يعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك. وصدع نوح لأمر ربّه وخصومه يمرون عليه وهو يصنع الفلك فيستهزءون ، كقوله تعالى : (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) (٣٩) (هود) ، «وفوران التنور» تفجّر الأرض بالينابيع ، واجتماع ماء الينابيع وماء المطر ، كقوله تعالى : (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
