السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (الرعد ٢) ، يعنى أنه من كمال قدرته وعظيم سلطانه قد رفع السموات بغير عمد ، ولكن بإذنه وتسخيره ، وقد رفعها عن الأرض ، فالسماء الدنيا تحيط بكل الأرض والماء والهواء ، وترتفع عليها ، لا يدرك مداها أحد ، والسماء الثانية تحيط بالأولى ، بعدا عنها ، وهكذا إلى السماء السابعة. والكون أكبر من ذلك ، وفى الحديث أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «ما السموات السبع وما فيهن ، وما بينهن فى الكرسى ، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسى فى العرش المجيد كتلك الحلقة فى تلك الصلاة» ، فانظر يا أخى كم هى علمية نظريات الإسلام فى الكون ، فلقد تحدث إينشتاين وآخرون عن لا نهائية الكون ولا شىء من ذلك تقول به التوراة. وفى الرواية : «العرش لا يقدر قدره إلا الله عزوجل» ، يعنى أن الإنسان العالم قد يقول باللانهائية ولا يقدرها مع ذلك قدرها ، إنما الذى يقدرها قدرها هو الله وحده. واستواؤه تعالى على عرش الكون أى سيطرته عليه وتمكّنه منه ؛ وتسخيره للشمس والقمر أى أمره لهما أن يجريا بلا انقطاع ؛ وذكره تعالى للشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة التى هى أشرف وأعظم من الثوابت ، وإلا فالنجوم أيضا مسخرة بأمره ، كقوله : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٥٤) (الأعراف) ، وتسخيره للشمس والقمر والنجوم إنما ليضيء للإنسان : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) (٣٣) (إبراهيم) ، ففي الأصل كان الكون عماء وظلاما ، فخلق الشمس فأوجد النهار ، وألحقه بالليل ، وجعل القمر لينير الليل ، كقوله : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ) (يونس ٥) ، والتسخير فى الموجودات كالسجود فى الصلاة عند الإنسان ، كقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (الحج ١٨). ومن آياته أن الشمس لا تلحق بالقمر ، ولا القمر يلحق بالشمس ، وكذلك الليل والنهار ، وهذا معنى السجود لله ، أى الطاعة ، فلا عصيان ولا تمرد ، وإنما خضوع كامل : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (٤٠) (يس) ، وهو تعالى الذى وقّت الأزمان بالقمر والشمس ، وبالليل والنهار ، وبالضحى ، والظهر ، والعصر ، والمغرب (الشمس ١) ، وهو تعالى الذى يفلق الإصباح (الأنعام ٩٦) ، وجعل الليل سكنا ولباسا ، والنوم سباتا ، والنهار معاشا (النبأ ١٠) ، وسخّر البحر والفلك والأنعام (الزخرف ١٢) ، ويفلق الحبّ والنوى (الأنعام ٩٥) ، وينبت فى الأرض من كل شىء (الحجر ١٩) ، ومن كل زوج كريم (الشعراء ٧) ، وينبت فيها الحدائق ذات البهجة (النمل ٦٠) ، وينزّل من السماء الماء المبارك فينبت
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
