ولم يرد اسم الإنسان الأول فى التوراة إلا بمناسبة أسماء المخلوقات ، فى العبارة ١٩ من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وجاء أنه آدم ، ويبدو أنه اشتكى من العمل الكثير ، وأبدى السأم من الوحدة ، فأوقع الله به النوم ، واستل أحد أضلاعه وسدّ مكانه باللحم ، ومن هذا الضلع استنسخ حواء وأتى بها آدم ، فلما عرف أنها من ضلعه سمّاها امرأة ، لأنها مأخوذة من امرئه ، ولزمها أنها من جسده ، ولهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا.
فهذه قصة الخلق كما وردت بالتوراة ، وتلتها قصة الخروج من جنّة عدن ، ليشقى آدم وامرأته فى الأرض. فما ذا يأتى من ذلك فى الأناجيل؟ لا شىء البتة ، فالأناجيل شغلها الشاغل أن تروى عن المسيح وأعماله ، وأن تمجّده وتغرس دعوته فى النفوس وتشرب بها العقول. ولم يكن إعطاؤها اسم المسيحية من فراغ ، لأنها الديانة التى مدارها المسيح ، فكل ما يتعلق بالمسيح ترويه الأناجيل ، والكلام فيها ليس عن الله وإنما عن المسيح ، والدعوة فيها ليست لله وإنما الدعوة للمسيح ، ولتأليه المسيح ، وعبادة المسيح. والتوراة فيها من ذلك بطريقة أخرى ، فمدارها اليهود ، وتاريخهم ، وما جرى لهم ، وما جرى منهم ، وما قالوه وفعلوه ، واعتقاداتهم ، ومركز هذه الاعتقادات تأليه الشعب اليهودى ، واليهود جعلوه شعبا مختارا ، وقالوا : إنه شعب الله ، والنصارى قلبوا كل تعاليم اليهود ونقضوها ، ولم يؤلّهوا الشعب كاليهود ، ولكنهم ألهّوا واحدا منه أعطوه اسم المسيح أو يسوع ، وبدلا من مقولة شعب الله قالوا : ابن الله ، واعتمدوا على رواية التوراة فى قصة الخلق أو التكوين ، بدعوى أنهم يكملون اليهودية ، ويصلحون ما أفسده اليهود منها وما حرّفوه.
والإسلام أورد عن قصة الخلق ، واليهود يدّعون أن محمدا صلىاللهعليهوسلم لم يفعل إلا أن سرق روايتهم فى الخلق وجعلها قرآنا! وذلك كذب وبهتان ، لأن هذه القصة فى التوراة لم تأت إلا كمقدمة لمجيء اليهود ، وهى فى القرآن لإثبات وحدانية الله ، وأنه ينفرد بالخلق ، وأن الخلق من أفعاله ، فهو الخالق ، والمبدع ، ولو كان فى الوجود إله غيره لعلا أحدهما على الآخر ، ولاختلفا ، وهذا غير وارد بالكلية فى التوراة. وظل القرآن يردد عن قصة الخلق فى سورة بعد سورة ، وآيات بعد آيات ، ليثبت بالبرهان القاطع ، والحجّة الدامغة : أن الله واحد لا شريك له ، وأنه قد خلق الإنسان ليعبده ، وعبادته سبحانه بالعمل الصالح ، يقلّده فيه ، ويتواصل به معه ، ويذكره به ، ويتّقيه من خلاله.
ثم إن الخلق فى التوراة لم يؤسس على مبادئ علمية كما يدّعى عزرا الكاتب مؤلّف التوراة فى عبارته الرابعة من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وكانت كتابته للتوراة بدءا
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
