والسورة تحفل بالجماليات من اللغة والمصطلحات ، من أمثال : «نطفة أمشاج» ، و «مزاج الكافور» ، و «عين السلسبيل» ، و «السندس الأخضر» ، و «الإستبرق» ، و «اليوم القمطرير». ومن التشبيه : (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) وليس ـ ولا يكون ـ فى التشبيه أحسن من ذلك ، ولا فى المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. وفى السورة الكثير من وجوه البيان والبديع ، كالطباق فى : «شاكرا وكفورا» ، و «بكرة وأصيلا» ، و «شمسا وزمهريرا» ، و «يحبون ويذرون» ؛ والمجاز فى : «يوما عبوسا» ، و «فوقاهم ولقاهم» ، و «يطعمون الطعام» ؛ والسجع المرصّع فى «منثورا ، وطهورا ، ومشكورا ، وكفورا». نسأل الله الهداية ، وأن يكون فهم القرآن غاية علمنا ومنتهى أملنا ، ولله الحمد والمنّة.
* * *
٦٥٩. سورة المرسلات
السورة مكية نزلت بعد الهمزة ، وترتيبها فى المصحف السابعة والسبعون ، وفى التنزيل الثالثة والثلاثون ، واسمها «المرسلات» من قوله تعالى : (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) (١) يقصد بالمرسلات الرياح تتتابع ويقفو بعضها إثر بعض ، فوصفها بأنها «عرف» تمسك بأعراف بعضها البعض ، والبعض قالوا : المرسلات هى الملائكة ، بل إن الآيات الخمس الأولى كلها محمولة على الملائكة. والبعض قال : بعضها على الملائكة والبعض على الرياح ، والأظهر أن المرسلات هى الرياح ، ولذلك عطف عليها بالعاصفات وهى الرياح أيضا ، وأما الناشرات : فالأظهر أنها الملائكة ، ولذا عطف عليها بالفارقات فرقا والملقيات ذكرا ، فجعل عطف المتجانسين بالفاء ، فقال : «المرسلات فالعاصفات» ، وعطف المتخالفين فى الجنس بالواو ، فقال «والناشرات». وأقسم بالملائكة وبالرياح جميعا ، والملائكة غيب ، فقرّب الغيب بالواقع الحى وهى الرياح ، ووصف كلا بوظيفة متشابهة ، فالرياح قد تكون رخاء وقد تكون عاصفة ، وكذلك الملائكة هى عذر أو نذر. وهذه المقابلات تحفل بأمثالها السورة ، وتكثر بها الصور والمشاهد الجمالية ، والعبارات البلاغية ، وكلها بهدف التدليل على قدرته تعالى ، ومن ثم وحدانيته ، وتخيير الناس بين التصديق والإنكار ، والإيمان والكفر. وفى قوله : «عرفا ، وعصفا ، ونشرا ، وفرقا» محسنات لفظية تزيد الأسلوب جمالا. وكان قسمه تعالى بخمسة أشياء : بالمرسلات ، والعاصفات ـ وكلتاهما رياح ، والناشرات ، والفارقات ، والملقيات ذكرا وهى الملائكة. وجواب القسم : (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) (٧) ، ووقوعه يوم القيامة ، ويصفه أروع وصف وأبلغه ، ففيه تنطمس النجوم ، وتشق السماء ، وتنسف الجبال. وهو يوم الفصل الذى كان مؤجلا ووقّت للرسل ليشهدوا أمام الديّان على أممهم ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
