يفرّق بين المرء وأخيه ، والزوج وزوجته! ـ وفى رواية أخرى أن قريشا لمّا سألها المغيرة عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، قال بعضهم هو «ساحر» ، ونفى بعضهم أن يكون ساحرا. وقال بعضهم هو «كاهن» ، ونفى بعضهم أنه كاهن. وقال بعضهم : هو «شاعر». ونفى بعضهم أنه شاعر ، وقال بعضهم : هو «مجنون». ونفى بعضهم أنه مجنون. واجتمعوا آخر الأمر على أنه ساحر يؤثر ، وحضّهم المغيرة أن لا يقولوا إلا ذلك. وسمع النبىّ صلىاللهعليهوسلم بما دبّروا وأجمعوا ، فحزن ، وقنّع رأسه ، وتدثّر ، فأنزل الله : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (٧). ومعنى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : لا تفكر فى قولهم وبلّغهم الرسالة. وكان رفضهم لكل الصفات إلا صفة السحر ، لأنهم علموا أن كل هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع لشخص واحد ، فسمّوا الرسول صلىاللهعليهوسلم باسم واحد يجتمعون عليه وتأخذه العرب عنهم. وقيل : إن الذى جمع العرب هو عتبة بن ربيعة ، وهو الذى أذاع عنه أنه ساحر. وقيل : إن المجتمعين كانوا : أبا لهب ، وأبا سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ومطعم بن عدىّ. وكان اعتراض الوليد أن كلام محمد لا يشبه كلام أحد من الشعراء ، ولا يشبه كلام الكهنة ، وقال : لأن الكاهن يصدق ويكذب وما عرفنا أن محمدا قد كذب من قبل ، ولا يشبه كلام المجانين ، لأن المجنون يخنق الناس ، وما خنق محمد أحدا قط.
والمدّثّر من دثره بالثوب ، وتدثّر وادّثر ، يعنى اشتمل به وتلفف ، فهو متدثّر ومدّثّر ، والدثار هو الثوب الذى يستدفأ به ويتغطّى به النائم. والمدثر فى الآية تعنى : أنه تدثّر بالنبوة وركن إلى تكليفه بها دون أن يبذل جهدا فى إبلاغ الناس بمضمونها ، فما كان قد نهض بعد بالرسالة ، وكان فى بداية عهده بها ، ولم يتمكن من فهم أبعادها ولا مراميها ، فكان يحتاج إلى مثل هذه السورة يتفهم عنها ما سيبلّغه. والمقصود بالخطاب هو النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وليس المدثر اسما من أسمائه صلىاللهعليهوسلم ينادى به ، ولكنه وصف لحاله ، ونودى به على سبيل الملاطفة والمؤانسة ، كندائه فى سورة المزمّل فى الآية : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) ، وكما فى نداء النبىّ صلىاللهعليهوسلم لعلىّ بن أبى طالب : «يا أبا تراب» ، وكان قد غضب من زوجته فاطمة فنهض مسرعا يريد الخروج ، فانسدلت عباءته من فوق كتفيه على الأرض وأصابها التراب ، فناداه الرسول صلىاللهعليهوسلم هذا النداء ليستشعر اللين. ومثله نداؤه صلىاللهعليهوسلم على حذيفة : «يا نومان» لمّا استغرقه النوم ولم يدر بنفسه ، فأيقظه بهذا النداء إشعارا لترك العتب والتأنيب. وقوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣) أى عظّم ، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع فى تكبير العبادات بقوله : «الله أكبر» ، وقام الرسول صلىاللهعليهوسلم لمّا نزلت : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣) وقال :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
