من الغيب ، والناس تطاوعهم فيما يروون ، وتصدّقهم ، لعل حياتهم تتيسّر بما نبّئوا به ، فلا ينالهم منه إلا الرّهق. وحارت الجن فيما صارت إليه السماء من الحرس الشديد والشّهب ، فانتشروا يتلمسون السبب ، ووجدوه فى ظهور هذا النبىّ الجديد الذى يبشّر بالحقّ من ربّه ، فعرفوا أن عملهم إلى تبار ، ونفوذهم على الناس إلى الزوال ، وكان محمد صلىاللهعليهوسلم الذى يستمعون إليه يتلو القرآن العجب ويصلّى بالمسلمين ، والأرض لهم مسجد ، وما كان يدعو إلا الله ، وله وحده يسجد المسلمون ، والمساجد بيوت الله ، ولا ذكر فيها لغيره تعالى. وقوله : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (١٩) الإشارة إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وهو عبد لله كما أن كل الرسل عباد له تعالى ، وكل المؤمنين من عباده ، وقيل إن «عبد الله» من أسماء النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وفى الآية فإن عبد الله داعية لله ، والشأن مع الدعاة أن يجتمع الناس عليهم ، ويزدحموا يحرصون على الاستماع لهم ، ومحمد صلىاللهعليهوسلم ، والمسلمون من بعده ، دعاة إلى الله ، ودعوتهم ليست إلا له تعالى ، وهو الواحد الأحد ، لا يشركون به ، وما كان محمد فى اعتقاده واعتقاد المؤمنين بالله ، إلا بشرا رسولا ، لا يملك للناس ضرّا ولا رشدا ، ولمّا قيل له : اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، قال : (إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (٢٢) أى ملتجأ ألجأ إليه ، ونصيرا ووليا ، وحرزا ، ومذهبا ، ومسلكا ، وما كان له أن يتقوّل على الله من نفسه ، فما أمر إلا أن يبلّغ ما يوحى إليه ، ولو عصى الله لكانت النار مأواه ، وكيف يعصاه والملائكة من بين يديه ومن خلفه ترصد ما يقول وتسجله عليه؟ والله يحيط بما لديه ولديهم ، ويحصيه عددا ، إن قولا أو فعلا؟ ولو تقوّل عليه بعض الأقاويل لأخذ منه بالوتين! وما كان محمد صلىاللهعليهوسلم يعلم عن الساعة ما يلحّون أن يعرفوه عن ميقاتها ، فالله وحده هو عالم الغيب ، ولا يدرى أقريب موعدها أم بعيد ، لأنها غيب ، وهو تعالى لا يطلع رسله على الغيب إلا بما يخدم رسالاتهم ويثبت لهم الدعوة ، ويظهر لهم المعجزات يصدّقهم بها الناس ، ومن ذلك قول عيسى لقومه : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (آل عمران ٤٩) ، وقول يوسف : (لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) (يوسف ٣٧) ، قيل ذلك هو العلم اللّدنّى ، أى من لدن الله. وربما كان المراد بقوله تعالى : (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) (٢٨) أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قد تحصّل له العلم بأن الرسل قبله قد أبلغت عن الله ، أو ليعلم أهل الشرك أن الأنبياء قد أبلغوا رسالات ربّهم ، أو ليعلم الله تعالى أن الرسل قد أبلغوها ، كقوله فى آيات أخرى : (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) (١١) (العنكبوت) ، وهذا التفسير الأخير ، بجعله الضمير يعود إلى الله تعالى ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
