وجواب القسم محذوف تقديره : وإنه للحق من عند الله ، (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) (٢): ، أى اختلفوا أنه حقّ من عند الله ، فما كفروا به لخلل وجدوه فيه ، وإنما كان كفرهم استكبارا عن الحق ، وخلافا لله ولرسوله ، كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) (٢٠٦) (البقرة) ، والعزة : هى الغلبة والقهر ، والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم كما كان من سبقهم ، وكم أهلك الله منهم حتى تنادوا يستغيثون ويتوبون ، (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) (٣) كما تقول السورة ، يعنى ما كان هذا وقت الاستغاثة أو التوبة ، فقد مضى ذلك وانتهى ، وقيل : ونادوا حين لا مناص ، أى ساعة لا منجى ولا فوت. والسورة تنبّه إلى أن هذا هو الشأن دائما مع المنكرين ، فالخلاف يدبّ بينهم إزاء الدين ، ويموتون كفارا ثم يكون العذاب فيستغيثون ، وربما العذاب فى الدنيا والآخرة ، وقد يكون عذابهم رفضهم لدعاوى الدين ، أن الداعين للدين منهم ، وأن دعاواهم كأنها السحر لإعجازها ، فاتهموهم بأنهم مشعوذون وكذّابون ، وكذلك اتهموا نبيّنا الكريم صلىاللهعليهوسلم ، وتتضارب دفوع المنكرين ، فبعضهم قد يرى أن الطبيعة هكذا صنعت ولا إله لها ، وبعضهم قد يرى أن التطور هو الغالب ، وأن الصّدفة هى الخالق ، وقد يرى البعض أن للطبيعة قوى مختلفة ، وكل قوة منها كالإله ، وأنها جميعا تصنع الحياة ، وبناء على ذلك قد يرفضون دعوة التوحيد ، ويعجب هؤلاء من منطق التوحيد ، فكيف تجتمع الكثرة فى الواحد؟ والكثرة بينها تعارض ، والواحد ضد التعارض ، وإذن فالقول بإله واحد هو قول لا يستقيم. وصدقت قريش أنهم ما سمعوا فى ملّة أخرى أن الله واحد ، فاليهود قلّما قالوا أن الله واحد ، وعبدوا آلهة الأمم الأخرى ، وادّعوا أنهم أحباب الله ، وأنه لا يحاسبهم ، بل ولم يذكروا فى كتبهم شيئا عن حساب أو عقاب ، فالحساب والثواب والعقاب فى الدنيا ، بما يكون من حياة كريمة للبعض ، وسيئة للبعض ، والدنيا للغالب ، والصفوة هم الغالبون ؛ والنصارى قالوا إن المسيح ابن الله ، وألّفوا لذلك تأليفات يفلسفون بها كفرهم ، فقالوا بالتثليث ، وتوّهوا الناس فى معانى الأب والابن وروح القدس ، ودعوا لعبادة المسيح ، وسمّوا مسيحيين ، فكان كفرهم كفرا على كفر ، وكانت قريش على حق لمّا وصفوا دعوة محمد بأنها الأولى من نوعها ، واعتبروا ما يقول فلسفة واختلافا. وحجّتهم فى رفض النبىّ صلىاللهعليهوسلم أنه بشر مثلهم ، فلما ذا اختير دونهم وهو ليس أشرفهم ولا أجدرهم؟ فلمّا شكّكوا فيه شكّكوا فيما جاء به من القرآن ، ليس عن علم ، بل لمجرد أن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قد جاء به ، وكأنهم المختصون بإقرار نبوة هذا النبىّ ، ورفض نبوة ذاك ، وكأنهم الموكلون منه تعالى بأمر الكون والناس والرسالات ، وكأنهم جند لشىء ليس هو الله بالتأكيد : (جُنْدٌ ما هُنالِكَ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
