التدليل على البعث ، وتقدّم دليلين على أن البعث واقع ، الأول : أن كل إنسان لم يكن من قبل شيئا ، ثم كان نطفة ، فعلقة ، فمضغة مخلّقة وغير مخلّقة ، ثم طفلا ، ليبلغ أشدّه ، وقد يتوفّى ، أو يردّ إلى أرذل العمر ، فهذه الأطوار جميعا تثبت أن الخلق ممكن من لا شىء ، فهكذا البعث ؛ والدليل الثانى : أن الأرض تكون هامدة فينزل المطر ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، فهذا دليل أقوى على البعث. ومن الدليل الأول قوله تعالى : (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) (٥) فخاطب جمعا ؛ ومن الدليل الثانى قوله : (وَتَرَى الْأَرْضَ) (٥) فخاطب واحدا ، فانفصل اللفظ عن اللفظ ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكرى البعث ، من قوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) (٤) حتى قوله (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (٧) ، وفيه تنبيه على أن كل ما سوى الله ، وإن كان موجودا حقا ، فإنه لا حقيقة له من نفسه ، لأنه مسخّر ومصرّف. والحق الحقيقى هو الله ، وهو تعالى الموجود المطلق ، والغنى المطلق ، ووجود كل ذى وجود إنما عن وجوب وجوده ، ولذا قال : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (٦٢) ومعنى الحق أنه الموجود الثابت الذى لا يتغيّر ولا يزول ، وهو الله. ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب يرجعون إليه ، والبعض يعبده تعالى على حرف ، يعنى فى شك دائم ، أو يعبده نفاقا باللسان دون القلب ، ويوم القيامة يفصل بين من آمن وبين من أشرك ، وبين المؤمنين وبين اليهود والنصارى والصابئين والمجوس إلى غير ذلك من الملل والنحل. والصابئون : هم عبدة النجوم ، والمجوس : هم عبدة النار ، فهذه أديان خمسة ، أربعة منها للشيطان ، وواحد للرحمن ، وأصحاب ديانات الشيطان هم الذين يصدّون عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام قبلة العاكف والبادى ، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم له العذاب الأليم. والإلحاد بظلم : هو الميل إلى الظلم ؛ والعاكف هو المقيم بمكة ؛ والباد : الذى يأتيها من خارجها ؛ والمسجد الحرام : هو البيت العتيق ، وقيل الحرم كله ، وهو عتيق أى قديم ؛ لأنه أول مسجد وضع فى الأرض ، ولأن الله أعتقه أن يظهر عليه جبار ، ولأنه يعتق فيه الخطّاءون من العذاب ، ولأنه أعتق قوم نوح من الطوفان. ثم إن الله تعالى بوّأه لإبراهيم ، وعرّفه بمكانه ، وأجلى له عن أساسه ، ليعيد بناءه ويطهّره للطائفين والمصلّين ، وأمره أن يؤذّن فى الناس بالحج يأتونه من كل فج بعيد ، راجلين وراكبين ، ليشهدوا منافع لهم فى التجارة والعبادة ، وليذكروا اسم الله فى أيام معلومات : قيل هى ثلاثة أيام ، أو أربعة ، منها يوم للذبح هو العاشر من ذى الحجة ؛ ثم ليقضوا تفثهم :
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
