«الأنبياء» ، وفيها ذكر «ثمانية عشر» نبيا ، هم بحسب ورودهم فى السورة : موسى وهارون ، وإبراهيم ولوط ، وإسحاق ويعقوب ، ونوح ، وداود وسليمان ، وأيوب ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذو الكفل ، وذو النون ، وزكريا ويحيى ، وعيسى ، وتنذر السورة باقتراب الآخرة ، وتنبّه إلى غفلة الناس وإعراضهم ، واستغراقهم فى الملذات ، وكلما نزلت عليهم آية من ربّهم لم يستمعوا لها إلا وهم يتشاغلون ويتناجون بينهم بالتكذيب ، وقالوا : وهل محمد هذا إلا مثل البشر ومن البشر؟ يأكل الطعام مثلهم ، ويمشى فى الأسواق كما يفعلون ، فلما ذا الإنصات له ، والاحتفاء بما يقول ، وهو لا يتميز عن أهل مكة فى شىء؟ وقالوا : كلامه سحر ولا يأتيه إلا شاعر ، وهو نفسه ساحر ، وقرآنه أخلاط كالهلاوس وأضغاث الأحلام. والردّ على هؤلاء : أنه ما كان من الممكن أن يرسل الله رسولا إلى الناس إلا إذا كان بشرا مثلهم ، وحجتهم على ذلك داحضة ، لأن من سبقه من أنبياء ما كانوا إلا بشرا رجالا يوحى إليهم ، وما كانوا يأكلون إلا طعاما كما يأكل الناس. وقال كفّار مكة مثلما قال النصارى : أن الله اتخذ ولدا ، وهم كاذبون فلو كان يريد أن يتخذ ولدا لاتّخذه من أهل السماء ، يعنى الملائكة ، وهو لم يكن له ولد ، ولا اتخذ ولدا من الملائكة ، ولا كانت له بنات من بينهم ، وليس الملائكة إلا عبادا له مكرمين ، وهم يسألون الله سبحانه وهو لا يسأل ، فكيف يكونون له شركاء وهو الذى تشير كل الدلائل فى السماء والأرض على أنه واحد لا شريك له ، وله البقاء والخلود وحده ، وهم جميعا ميّتون ، ولسوف يموت محمد ، فلما ذا الاستهزاء به وتعييره بأنه سيموت؟ ومن قبله استهزئ بالأنبياء وجرى عليهم الموت ، وما كان محمد إلا مثلهم فليس عجيبا أن استهزءوا به؟ ثم تقص السورة قصصا عن بعض الأنبياء ، وبعض القصص يطول وبعضها يقصر ، ومن هؤلاء : موسى وهارون ، وكيف آتاهما الله الفرقان ضياء وذكرا للمتقين ، ومثله القرآن تنزّل على محمد صلىاللهعليهوسلم. وفرقان موسى هو التوراة ، وسمى الفرقان لأنه يفرق بين الحرام والحلال. ومن قبل موسى وهارون كان إبراهيم ، وتتحدث السورة عنه بإسهاب ، وتعرض لبراهينه وحججه فى أسلوب فيه نصاعة البيان. ولم يكن إبراهيم عند ما بدأت قصته على العيان إلا فتى ، ولكنه لم يكن غريرا ، فقد آتاه الله رشده قبل الأوان ، يعنى أنضجه فكريا ، وأعطاه عمرا عقليا يسبق عمره الزمنى ، كقوله تعالى فى يحيى : (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (١٢) (مريم) ، والحكم هو الرشد ، وإبراهيم كان أبرز ما فيه قدراته على الاستدلال والنظر ، فعلم عجز آلهة قومه ، ودعاهم لنبذها ، ولم يكتف بالمحاجاة باللسان ، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك ، فكسر الأصنام التى يعبدونها ، ووطّن نفسه منذ البداية على مواجهة المكاره وهو يذبّ عن عقيدته ، ويعلن عن إيمانه بالله ، وحاكموه فكانت «محاكمته أول محاكمة فى التاريخ من نوع محاكمات محاكم التفتيش» ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
