السورة ، ولهذا كان ترتيب السورة فى المصحف التاسعة عشرة ، وفى التنزيل الرابعة والأربعون ، وكان نزولها بعد سورة فاطر ، وغرضها الردّ على أهل الكتاب ، سواء اليهود أو النصارى ، وتقرير التوحيد كرسالة للإسلام ، وتصحيح الروايات فى الأنبياء وفى مبعثهم ودعواتهم. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة : «كهيعص» ، وتنطق : «كاف ، ها ، يا ، عين ، صاد» وهى حروف من الأبجدية تنبّه إلى ما فى القرآن من إعجاز لغوى وفكرى وسردى دلالى ، وأنه كتاب فى آيات الله الذهنية ، كآياته الكونية ، فبمثل هذه الحروف يأتى القرآن ككتاب فى إثبات التوحيد والقدرة لله تعالى ، مثلما الشمس والقمر والسموات والأرض آيات فى هذا الإثبات. وفى الخبر أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعث عمرو بن أمية الضّمرى إلى النجاشى يدعوه إلى الإسلام ، فجمع النجاشى الرهبان والقساوسة ، وقرئ عليهم من سورة مريم الجزء الخاص بمريم والمسيح ، ففاضت أعينهم من الدمع ، وفيهم نزلت الآية : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٨٢) (المائدة) وتناولت السورة قصص الأنبياء : زكريا ، ويحيى ، وإبراهيم ، وموسى ، وإسماعيل ، وإدريس ، ونوّهت بإسرائيل ، وبدأت بقصة زكريا ، تماما كما فى إنجيل لوقا ، ونعرف من قصة الإنجيل سبب هذا التقارن بين قصة يحيى بن زكريا وقصة عيسى بن مريم ، فأمّ يحيى كانت اليصابات ، وتمّت بصلة النسب إلى مريم ، ولم تحمل اليصابات فى يحيى إلا بعد أن صارت وزوجها زكريا شيخين طاعنين فى السن ، فلم تكن اليصابات تحيض ، ولم يعد زكريا قادرا على الإنجاب ، فكان ميلاد يحيى معجزة ، سبقت معجزة ميلاد عيسى وقدّمت لها. وتشبه قصة لقاء الملك لمريم والحديث بينهما كما جاءت فى القرآن ، نفس القصة فى إنجيل لوقا مع تفاصيل كثيرة تمتاز بها القصة فى القرآن ، ففي القرآن مثلا يأتى أن مريم : (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً) (١٧) والمكان الشرقى يعنى الذى تشرق عليه الشمس ، من الشّرق وهو الشمس ، وخصّ المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظّمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار ، والجهات الشرقية أفضل دائما من سواها ، وقيل من أجل ذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم ، وقبّلتهم يسمونها المذبح أو الهيكل altar ، أو المحراب chancel ، وهو فى تصميم الكنائس يأتى جهة الشرق ، وفى القرآن هو المحراب ، من الحرب بفتح الراء ، لأن من يأوى إليه ويلازمه يلقى من ملازمته نصبا وتعبا من كثرة التعبّد ، فهذا هو المكان الذى أوت إليه فى كنيس بيت لحم ، وكان من قبل هذا الحدث مكانها المفضل. ولمّا جاءها المخاض انتبذت به (مَكاناً قَصِيًّا) (٢٢) ، أى تركت الكنيس ، وتوجهت إلى حيث لا يراها الناس ، وتصفه
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
