عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج ٧٨) ، فخصّ الله هذه الأمة بأكمل الشرائع ، وأقوم المناهج ، وأوضح المذاهب ، فاستحقّت أن تكون الشاهد على غيرها ، واستحق نبيّها أن يشهد عليها ، وعن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قال : «أنا وأمتى يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ، ما من الناس أحد إلّا ودّ أنه منا ، وما من نبىّ كذّبه قومه إلّا ونحن نشهد أنه قد بلّغ رسالة ربّه عزوجل». رواه أحمد.
وإنه لشىء عجيب اختصّ الله به هذه الأمة أن تجتمع جميعها على جهة واحدة ، يقول : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٥٠) ، فأمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض ، شرقا ، وغربا ، وشمالا ، وجنوبا ، فأية عظمة هذه! وأية نعمة!! ولا يستثنى من هذا سوى النافلة فى حالة السفر ، فإن المسلم يصليها حيثما توجه وقلبه نحو الكعبة ، وفى ساحات الوغى يصلى على أى حال ، وكذلك من جهل جهة القبلة يصلى باجتهاده وإن كان مخطئا ، فالإسلام أيسر الأديان ، والله تعالى دائما وأبدا لا يكلف النفوس إلا وسعها.
وكان اليهود على ثقة من أن قبلة المسلمين حتما ستتغير لتكون قبلة الآباء التى عرفوها وحفظوا عنها ، وأكد الله تعالى ظنهم وقال : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) (البقرة ١٤٤) ، أى ليعلمون أنه تعالى سيوجه المسلمين إلى الكعبة : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (البقرة ١٤٨) ، أى لكل أهل ديانة قبلتهم التى يرتضونها ، فلليهود وجهة ، وللنصارى وجهة ، وهذه وجهة أهل الإسلام ، كما فى قوله : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (المائدة ٤٨) ، يعنى من الخطأ أن يفرض على الناس شرعة ومنهجا واحدا ، وإنما لكل أمة شرعتها ومنهجها ، وإلّا لكانت أمم العالم أمة واحدة ولما كنا متباينين ، وفى التباين تمايز بحسب حاجات الأمم وخصائصها. وفى التباين بوسع الأمم أن تفعل بما يريحها ، وأن تستبق وغيرها فى الخيرات. واختيار الكعبة قبلة للمسلمين فيه ترسيخ لما اشتهر عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم أنه على الحنيفية السمحاء ملّة إبراهيم ، والإسلام هو الصورة العربية للحنيفية ، وكان إبراهيم أول المسلمين ، وهو الذى سمّى المسلمين ، فلا أقل من أن يتوجه المسلمون إلى الكعبة بيت الله الذى بناه إبراهيم ، كقوله تعالى : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٥٠) ، أى بتوجّهكم إلى الكعبة تسقط مزاعم الناس عنكم ، ولا يصبح لأحد فضل عليكم ، فلا تخشوا بعد الآن أن يتقوّل المتعنتون ، أو يتأوّل الظالمون ، فلقد تمت عليكم نعمة الله ، واستكمل لكم شريعتكم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
